
بين صحراء نيفادا القاحلة حيث رصدت أجسام طائرة، ومقبرة محصنة بالزئبق، وجزيرة تحرسها آلاف الأفاعي، وأرشيف سري لا يسمح للجميع بالاطلاع عليه، تختبئ أسرار لا يُسمح للبشر العاديين بالاقتراب منها، فهذه الأماكن المعزولة على وجه الأرض تحاول التواري عن الأنظار وتحمل كل منها قصة مختلفة تجعلها سرية، لكنها تتفق في شيء واحد، إن حدث ولفتت نظرك أو قررت البحث عنها فجميعها تضع أمامك لافتات تحذيرية تنصحك بالتراجع، وإلا.
فماذا يحدث خلف تلك الأبواب المغلقة؟ ولماذا هي مغلقة في الأصل؟ وما قصة هذه الأماكن؟
مقبرة الزئبق
تخيل قصراً ضخماً تحت الأرض، يزخر بالكنوز ويحرسه جيش من المحاربين الحجريين، ومحكم الإغلاق لأكثر من 2000 عام، هذا هو قبر تشين شي هوانغ أول إمبراطور للصين والذي وحد الأمة عام 221 قبل الميلاد وسعى إلى الخلود حتى وفاته عام 210 قبل الميلاد، ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) اكتشف الموقع قرب شيآن عام 1974 على يد مزارعين كانوا يحفرون بئراً، وكشف الموقع عن جيش التيراكوتا الشهير، وهم آلاف من الجنود الطينيين بالحجم الطبيعي ويقفون في وضعية استعداد للمعركة.
وعلى رغم هذا الاكتشاف لم يتمكن علماء الآثار من اختراق ضريح الإمبراطور الداخلي والولوج إليه، فقد أكد عالم الآثار دوان تشينغبو رئيس فريق معهد شانشي الإقليمي للآثار ارتفاع كثافة الزئبق المنبعث من الضريح نفسه خلال المسوحات الجيولوجية، وصرح دوان لصحيفة “تشاينا ديلي” عام 2006 “وجدنا من خلال المسح أن كثافة الزئبق في منطقة مقبرة تشين شي هوانغ أعلى بكثير من تلك الموجودة في المنطقة المحيطة بها”، وتفسر هذه النتائج سبب توخي الخبراء الحذر الشديد، إذ إن فتح المقبرة قد يفضي إلى أخطار لا يمكن التنبؤ بها بصورة كاملة.
جزيرة الأفاعي
ومن الصين إلى البرازيل، وتحديداً قبالة سواحل البرازيل في المحيط الأطلسي، حيث توجد جزيرة يحظر دخول البشر إليها، والسبب أنها موطن آلاف الأفاعي شديدة السمية التي تسيطر على المنطقة.
وتقع جزيرة كيمادا غراندي المعروفة باسم “جزيرة الأفاعي” قبالة ساحل ساو باولو، ويبلغ طولها نحو 5000 قدم (نحو 1.5 كيلومتر) وعرضها 1600 قدم (نحو 490 متراً)، وتبدو للوهلة الأولى مثل جزيرة خلابة تحيط بها الغابات ومياه البحر الزرقاء الصافية، إلا أنها في الواقع موبوءة بأكثر من 2000 أفعى ذهبية الرأس.
ويستوطن هذا النوع الفرعي من الثعابين في الجزيرة ولا يوجد في أي مكان آخر حول العالم، ويعد من أكثر الثعابين سمية في أميركا اللاتينية، إذ يمكن لسم أفعى رأس الرمح الذهبية أن تقتل الإنسان في أقل من ساعة ما لم تعالج بمضاد السم فوراً، وفي مثل هذا الموقع النائي على بعد 90 ميلاً من اليابسة يتضح سبب منع البشر منعاً باتاً من دخول موطنها، فلن يصلوا إلى المستشفى في الوقت المناسب.
يوم القيامة
وإلى قلب الدائرة القطبية الشمالية حيث جزيرة سفالبارد النرويجية النائية، هناك يقع قبو سفالبارد العالمي للبذور والذي يعرف باسم قبو “يوم القيامة”، إذ يعد هذا المستودع الاستثنائي بالغ الأهمية في الحفاظ على التراث الزراعي العالمي، وعلى رغم أنه يرمز إلى الأمل في مستقبل البشرية فإنه يٌبقي أبوابه مغلقة أمام العامة، وتسهم عوامل عدة في صعوبة الوصول إلى هذا البنك الاستثنائي للبذور.
يعد قبو سفالبارد العالمي للبذور بمثابة بوليصة تأمين عالمية ضد الخسائر الكارثية في التنوع البيولوجي الزراعي، ويقع هذا القبو في منطقة تشتهر بتربتها الصقيعية الدائمة ومناخها البارد والمستقر، ويضم ملايين عينات البذور من محاصيل زراعية من مختلف أنحاء العالم، فهنا تتم حماية البذور من الكوارث بحسب المسؤولين عنه، مما يضمن قدرة البشرية على التعافي ومواصلة إنتاج الغذاء على رغم الكوارث الطبيعية كالحرب النووية أو أمراض المحاصيل.
ومن أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل زيارة “قبو يوم القيامة” شبه مستحيلة هو موقعه النائي والخطر، إذ تقع سفالبارد على بعد أكثر من 800 ميل من القطب الشمالي، ويقع بنك البذور في أعماق سفح جبل، على ارتفاع يقارب 430 قدماً فوق مستوى سطح البحر، لذا فالوصول إليه صعب حتى بالنسبة إلى العلماء والفنيين الذين يتولون صيانة المنشأة، ويتطلب تخطيطاً دقيقاً ووسائل نقل متخصصة.
وتعد بروتوكولات الأمن الصارمة عاملاً حاسماً آخر يمنع الزيارات العامة، إذ يحيط بقبو سفالبارد العالمي للبذور نظام أمني متين، يشمل كاميرات مراقبة وأجهزة استشعار للحركة وأبواب فولاذية مزدوجة، ولا يسمح بالدخول إلا للموظفين المصرح لهم مثل المسؤولين الحكوميين والعلماء وفريق الدعم.
المنطقة 51
وفي منطقة نائية جنوب ولاية نيفادا الأميركية، وعلى بعد نحو 161 كيلومتراً من لاس فيغاس في وسط منطقة محمية اتحادياً وتابعة لنطاق اختبار وتدريب نيفادا التابع بدوره للقوات الجوية الأميركية، تقع منشأة عسكرية سرية تعرف باسم موقع الأمن القومي في نيفادا والذي يقع داخل نطاق نيليس الجوي الأكبر، وهذا الموقع الذي لم تعترف الحكومة الأميركية بوجوده إلا في عام 2013 أطلقت عليه اسم المنطقة 51.
ففي الـ17 من يونيو (حزيران) 1959 عنونت صحيفة “رينو إيفنينج جازيت” قائلة “رصدت أجسام طائرة إضافية في سماء كلارك”، وأثارت تقارير مماثلة عن أجسام طائرة مجهولة الهوية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي جدلاً واسعاً واهتماماً كبيراً بالمنطقة 51، وذلك لثلاثة أسباب رئيسة، فقد كانت المنطقة 51 سرية للغاية وغير متاحة للعامة.
وكانت المنطقة موطناً لرحلات تجريبية لطائرات جديدة سرية كانت تتحرك بسرعة وبطرق مختلفة عما كان متوقعاً، وفي أثناء الحرب الباردة أي في حقبة التوتر السياسي، كان هناك عدد من الأفلام والبرامج التلفزيونية التي تتناول موضوع الكائنات الفضائية في ذلك الوقت.
ولا تزال المنطقة 51 محظورة على حركة الطيران المدني والعسكري النظامي، حتى بعد عقد من اعتراف الحكومة بوجودها، وقد أسهم 68 عاماً من التكتم الحكومي في تأجيج الشكوك والتكهنات، وتشمل هذه التكهنات تحطم سفن فضائية لكائنات فضائية، وإجراء تجارب على كائنات فضائية، بل وحتى وجود كائنات فضائية تعمل في المنطقة 51.
آخر القبائل المعزولة
ومن الصحراء القاحلة إلى بقعة خضراء وارفة بالغابات في أرخبيل أندامان ونيكوبار الهندي تقع جزيرة نورث سنتينيل، التي تعرف بأنها موطن لشعب سينتينيل، إحدى آخر القبائل المعزولة عن العالم الخارجي، وهي شاهد حي على ماضي البشرية العريق.
لكن القصة هي أن هذه الجزيرة المعزولة لا يمكن لأي غريب زيارتها، فقد فرضت الحكومة الهندية حظراً صارماً على الزوار. فتاريخيا، لم ينج كثر من زيارتهم لجزيرة نورث سينتينيل، باستثناء مجموعة محظوظة من العلماء الهنود في أوائل التسعينيات.
وبالنسبة إلى سكان جزيرة سينتينيل تعد الجزيرة عالمهم الخاص، فهم يعيشون بمعزل عن العالم الخارجي ويقدر عدد سكان جزيرة سينتينيل الشمالية بأقل من 500 نسمة، وانتهت محاولات التواصل السابقة بمأساة أو بالفشل، فمن عمليات اختطاف موريس فيدال بورتمان عام 1880 إلى مهام تقديم الهدايا القصيرة والحذرة في التسعينيات. وألحقت الجهود المبذولة لردم الهوة الضرر بسكان جزيرة سينتينيل أو قوبلت بالرفض. وأكدت جريمة قتل جون تشاو عام 2018 على رغم نياته السلمية، أن التواصل غير مرحب به وغير ممكن، لذا باختصار جزيرة نورث سينتينيل منطقة محظورة.
الأرشيف السري
وأخيراً، قد يكون استخدام كلمة “سري” في أرشيف الفاتيكان السري سبباً لبعض التكهنات الجامحة حول ما يجري داخله، لكن هذا يجعل الأرشيف يبدو أكثر إثارة مما هو عليه في الواقع، ويشتق الجزء “السري” من الاسم من الاسم اللاتيني Archivium Secretum Vaticanum وقد تفرع معنى كلمة secretum في اللغة الإنجليزية، فمن جهة قد تعني سرياً أو مخفياً، ومن جهة أخرى قد تعني شخصياً أو خاصاً بمعنى الملكية الخاصة، وهذا هو المعنى الحقيقي لاسم الأرشيف، أي الأرشيف الشخصي للبابا. ولهذا السبب تحديداً غير البابا فرنسيس اسمه إلى الأرشيف الرسولي للفاتيكان.
وبما أن كلمة أرشيف سري قد تحفز الخيال إلى رسم معالم توحي بالظلام والاختباء، إلا أن أرشيف الفاتيكان ليس في قبو سري تحت الأرض ولا يمكن الوصول إليه إلا بضوء المشاعل وأبواب خفية، إنما يقع الأرشيف في سلسلة من المستودعات المكيفة، ولا يسمح للزوار بالتجول فيها بحرية، والسبب يتعلق بأمور روتينية كحفظ المجموعة، وليس بمنع المتطفلين من اكتشاف أسرار مشبوهة، وتعمل جميع مجموعات المخطوطات الرئيسة في العالم تقريباً بهذه الطريقة، بما في ذلك جميع أرشيفات الجامعات.
أما السبب الأساس لمنعها إلا على من ندر، فيعود ببساطة إلى أن عدداً من هذه الكتب يرجع تاريخها إلى قرون مضت، وفي بعض الحالات إلى أكثر من ألف عام، لذا فهي هشة للغاية، والحبر قابل للمسح بسهولة، والورق أو الرق هش وعرضة للتمزق، وعليه هل يمكنك تخيل الضرر الذي قد يلحقه شخص يتجول دون رقابة ويسحب الكتب عشوائياً؟ والذي بإمكانه تدمير مواد تعود إلى قرون مضت في دقائق.
لذا، فإن الوصول إلى الأرشيف ليس بالأمر السهل على الإطلاق، إذ يحتاج الباحث إلى رسالة توصية من باحث مرموق في مؤسسة بحثية ذات سمعة طيبة، وبعد ذلك تجرى مقابلة قصيرة باللغة الإيطالية كشرط أساس للمشاركة، ثم تقدم الرسالة مع استمارة طلب قبل الموعد بوقت كافٍ، تحدد فيها مجال اهتمامك وفترة استخدامك للأرشيف، وبعدها تتلقى رسالة دعوة لحضور الفعالية في اليوم المحدد، لتنتظر الباحث إجراءات تفصيلية أخرى داخل قاعات القراءة المسموح الدخول إليها فحسب.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut