
يبرز كتاب “ستيلا: الهوية والدولة الحديثة في مصر”، في هذا السياق، وهو للباحث عمر فودة، ترجمة عبدالرحمن النجار، نظراً إلى طرافة موضوعه وتفرده، فهو يربط بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كاشفاً عن تعقيدات موضوع الهوية، ولا سيما عند ارتباطه بالاختلافات الثقافية والعقائدية.
ينتمي الكتاب، الصادر عن “دار العربي للنشر والتوزيع”، إلى ما يمكن تسميته بـ “التاريخ الهجين”، فبدلاً من عزل الشؤون الاقتصادية عن الثقافية، يبرر المؤلف الحاجة إلى الربط بين الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ولا سيما في مجال السلع الاستهلاكية، لأن هذا الربط، بحسب المؤلف، من شأنه أن يُظهر تاريخاً مغايراً لصورته النمطية أو التقليدية.
التنوع الثقافي
يبحث فودة في علاقة المصريين بالبيرة، التي تُعد من أكثر المشروبات الكحولية شعبية وارتباطاً بتاريخ مصر القديم، ويربط ازدهار صناعتها بالتنوع الثقافي الذي عرفته مصر خلال القرن الـ 19، فبحلول عام 1907، كان الأجانب يشكّلون 11.5 في المئة من سكان القاهرة، ونحو 18 في المئة من سكان الإسكندرية.
ومن الناحية الديموغرافية، كان هؤلاء المهاجرون ينتمون في الغالب إلى الطبقتين الوسطى والدنيا، وسعى معظمهم إلى جعل استهلاك الكحول ممارسة مألوفة في المدن، ونتيجة لهذه التحولات، انتشرت الحانات، وأدى اليونانيون والإيطاليون الدور الأكبر في تأسيسها وإدارتها، وكان رجل الأعمال اليهودي المعروف يوسف قطاوي بك (1861 -1942) أحد أبرز المصريين الذين امتلكوا حانات.
ومع ذلك، يوضح الكتاب أن الدخول في صناعة الكحول لم يكن حكراً على غير المسلمين، فقد ازدهرت صناعة البيرة المصرية خلال تلك الفترة، بوصفها كياناً هجيناً، لم يكن أجنبياً خالصاً ولا مصرياً خالصاً، لكنه نجح في منافسة العلامات التجارية العالمية.
صحيح أن الأوروبيين هم الذين قادوا عملية إنشاء هذه الصناعة، إلا أنها لم تكن فرضاً أجنبياً متعسفاً يتعارض تماماً مع استعداد بعض فئات السكان المحليين، وبداية من أوائل القرن الـ 20، أصبح استهلاك المشروبات الكحولية إحدى العلامات الرئيسة التي عبّر من خلالها عدد من المصريين عن هويتهم الحديثة.
تزامن ذلك مع نمو الطبقة الوسطى المصرية وصعود فئة الأفندية، الذين تطلعوا إلى ابتكار نموذج للحداثة يدمج الشرق والغرب معاً، وتجلى ذلك في استخدام مساحات اجتماعية جديدة للسهر وقضاء أوقات الفراغ والتنزه، ومن ثم استهلاك منتجات جديدة، شملت أنماطاً مختلفة من اللباس والطعام والشراب.
ونظراً إلى القيمة الاجتماعية للبيرة بوصفها منتجاً حديثاً وعلمانياً، وجدت بعض الفئات فيها أداة للتعبير عن هوية كانت تتشكل بالتزامن مع صعود القومية الاقتصادية المصرية، تمهيداً للقيم التي رسّختها ثورة 1919.
سياسة الحزم
في إطار سياسة بناء الاقتصاد الوطني التي تبناها طلعت باشا حرب (1867 -1941)، انتهجت الحكومات المصرية، خلال الفترة الممتدة من عام 1919 حتى نهاية خمسينيات القرن الـ 20، سياسة حازمة تجاه الشركات ذات المسؤولية المحدودة والوثيقة الصلة بالشركات العالمية.
ثم جاءت سياسات إبعاد الأجانب عن إدارة الشركات الكبرى، التي تبناها الضباط الأحرار بعد حرب السويس عام 1956، لتجسّد مرحلة جديدة قامت على تمصير تلك الشركات، وخلال الفترة الممتدة من عام 1961 حتى عام 1972، أصبحت “ستيلا” مصرية بالكامل.
للمرة الأولى، عُيّن مصريون في وظائف قيادية، وتحولت الشركة المصنعة للبيرة إلى شركة تحتكر عمليات إنتاجها، ومن ثم لم تواجه منافسة خارجية، وحافظت “ستيلا” على أهميتها في الحياة الاجتماعية المصرية حتى بدء تطبيق سياسة الخصخصة، التي يصفها الكتاب بأنها سياسة “نزع الناصرية” عن مصر، إذ حلّت الشركات الاستثمارية، ومعظمها أجنبية، محل القطاع العام.
يرى الكتاب أن تتبّع مسيرة تصنيع “ستيلا” على مدى ما يقرب 140 عاماً يساعد في فهم كثير من المتغيرات التي عاشتها مصر، إذ يكشف التساؤل عن أسباب استمرارها كثيراً من التناقضات، فقد كانت البيرة، ولا سيما “ستيلا”، جزءاً من الحياة اليومية في مصر، لكن هذا المنتج الشائع لم يعد، منذ سبعينيات القرن الماضي، علامة على الهوية، بل اكتسب رمزية أخرى سلّطت الضوء على معركة لم تُحسم في شأن الهوية المصرية.
ووفقاً للكتاب، تزامن تصاعد الدعوات إلى تحريم البيرة مع صعود التيارات التي طالبت بمنع تداولها في المحال العامة، إضافة إلى بقية المشروبات الكحولية، باعتبارها دليلاً، من وجهة نظر تلك التيارات، على انتشار مظاهر الفساد الأخلاقي والتبعية للثقافة الغربية الوافدة، وكذلك دعا أصحاب هذه التوجهات إلى وقف تصنيعها وإزالة إعلاناتها من الفضاء العام.
ومن نهاية السبعينيات، أخذ مزيد من المصريين المنتمين إلى الطبقة الوسطى يرون أن الإسلام هو السمة الأساسية للهوية المصرية، واقترن ذلك بتنامي حضور التدين في المجال العام، مما جعل وجود “ستيلا” في السوق المصرية مسألة غير مريحة لأطراف كثيرة، وأثار حولها نقاشات ذات طابع فقهي يستعرضها المؤلف.
ولا يعزو الكتاب تضاؤل جمهور “ستيلا”، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إلى التغيرات الاجتماعية وحدها، إذ تراجعت الشركة المصنّعة للمشروب مع انهيار ركائز نجاحها وتراجع شعبيتها بين أبناء الطبقة الوسطى، مثلما انحسر الدعم الحكومي مع رفع شعار الخصخصة التي انتهجتها مصر منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.
ويبحث المؤلف في تأثير التطورات التكنولوجية في أنماط الاستهلاك، وفي تغيير المفاهيم الثقافية المرتبطة بالطعام والشراب والتغذية في المجتمعات التابعة، فقد أتاح التطور العلمي وميكنة عمليات التخمير تحسين جودة هذه المنتجات، مما جعل الصناعة أكثر قابلية للتوسع وزيادة حجم الطلب.
ويلجأ الكتاب كذلك إلى مصادر أدبية وصوتية ومرئية عربية تشير إلى ما يسميه “مصرنة” صناعة “ستيلا”، موضحاً كيف انتقلت من مشاريع بيرة عابرة للحدود إلى شركة وطنية مصرية خالصة، ويبحث في أسباب تحول المشروب نفسه إلى منتج مصري خالص، اكتسب حضوراً قوياً في مختلف وسائل الإعلام ومظاهر الثقافة الجماهيرية، بدءاً من الروايات الأدبية، ولا سيما أعمال إحسان عبدالقدوس ووجيه غالي وعلاء الأسواني، مروراً بالأفلام والأغاني، وصولاً إلى الإعلانات التجارية بمختلف صورها.
وقد استهدفت هذه الوسائل جميعها مخاطبة فئات الطبقة الوسطى، ولا سيما الأفندية الذين اتسمت نظرتهم إلى العالم بطابع مدني، واستفادت الإعلانات أيضاً من الحراك الاجتماعي، فركّزت على فخامة منتجاتها وأثارت لدى عملائها المحتملين شعوراً ب
وأخيراً، ينهض البحث على تجربة شخصية فريدة للمؤلف، الذي يكشف جانباً من سيرة جدّه الذي تولّى رئاسة الشركة المصنعة للبيرة خلال أكثر أعوامها ازدهاراً، قبل أن تبيعها الحكومة إلى أحد رجال الأعمال نهاية تسعينيات القرن الماضي، في إطار سياسة الخصخصة.
واستعان المؤلف بكثير من الأرشيفات العائلية التي خففت من جفاف المصادر الرسمية، إضافة إلى وثائق جمعها من مصادر مختلفة، واستخدم مصادر أرشيفية غربية، أمريكية وهولندية، من بينها أرشيف شركة “هاينكن” التي عادت للسوق المصرية عام 2003، واشترت الشركة المصنعة لـ “ستيلا”.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut