
ليبانون ديبايت”-باسمة عطوي
يكشف الحصار الحاصل في البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، وإستهداف محطات تخزين الحبوب فيهما في شهر آب الماضي كيف يمكن لحرب تدور على بُعد آلاف الكيلومترات أن يصل أثرها إلى المخابز خلال أيام. ما يعنينا في هذا المجال هو الخبز في لبنان، علما أن البنية الاقتصادية لكل دولة تحدد المسار الذي تسلكه الصدمة. في لبنان تترجم هذا الصدمة أو التداعيات في ظل إنهيار العملة وشحّ تمويل الاستيراد، بمعنى آخر تنطلق الصدمة من السوق نفسها، لكن كل دولة تستقبلها من نقطة ضعف مختلفة.
للتذكير بخلفية التهديد الذي يلحق بالرغيف في لبنان، فقد أعادت روسيا، منذ مطلع تموز الماضي، فرض حصار بحري فعلي على الموانئ الأوكرانية. لم تدخل أي سفينة شحن إلى موانئ أوديسا الكبرى للمرة الأولى منذ 3 سنوات. فهذه الموانئ، التي تمرّ عبرها نحو 90 بالمئة من صادرات الحبوب الأوكرانية، تعرّضت خلال الشهر نفسه لـ67 ضربة، فيما إستهدفت 57 ضربة السفن الراسية فيها أو المتجهة إليها. وبحلول مطلع آب، توقف مشغّلو السفن عن التعامل معها، ولجأ مالكو السفن إلى بند القوة القاهرة للتحلّل من عقود الشحن.
لكن الاضطراب لم يبقَ محصوراً في الجانب الأوكراني من البحر الأسود. ففي 12 آب، إستهدفت أوكرانيا ميناء نوفوروسيسك، المنفذ الرئيسي لصادرات القمح الروسي، وأخرجت محطتين للحبوب من الخدمة. تكمن خطورة هذا التطوّر في أن روسيا هي أكبر مصدّر للقمح في العالم، فيما كانت أوكرانيا، قبل الحرب، تؤمّن نحو 6 بالمئة من صادرات القمح العالمية و11 بالمئة من صادرات الذرة. وهكذا، للمرة الأولى منذ عام 2022، بات مسارا تصدير الحبوب الروسي والأوكراني عرضة للهجمات في الوقت نفسه.
نتيجة هذه التطورات تحرّكت الأسواق قبل حدوث أي نقص فعلي في مخزونات المستوردين. ففي يوم واحد، إرتفعت أسعار القمح الأوروبي 7 بالمئة إلى 231.75 يورو للطن، وهو أعلى مستوى تسجله منذ شباط 2025، فيما صعدت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو 5 بالمئة .
هكذا تصل الصدمة إلى الدول المستوردة ومنها لبنان عبر 3 قنوات متزامنة: ارتفاع السعر المرجعي للقمح، وتقلّص إمكان الوصول إلى موردين بديلين، وزيادة كلفة الشحن والتأمين. لذلك ترتفع فاتورة الاستيراد حتى في البلدان التي لا تشتري القمح الأوكراني مباشرة. ووفق دراسة نشرتها مجلة Nature Food، أدى انخفاض صادرات القمح الأوكراني 39 بالمئة عام 2022 إلى زيادة كلفة الاستيراد بأكثر من 70 بالمئة في البلدان الأكثر تأثراً، ومنها مصر ولبنان.
لبنان: استيراد بلا حماية
يستورد لبنان نحو 80 بالمئة من الغذاء الذي يستهلكه، فيما لا يؤمّن الإنتاج الزراعي والغذائي المحلي سوى 20 بالمئة من احتياجات السوق. ويزداد هذا الاعتماد في حالة القمح، إذ تأتي 96 بالمئة من وارداته من روسيا وأوكرانيا، منها 80.4 بالمئة من أوكرانيا و15.5 بالمئة من روسيا.
سبب ضعف الإنتاج الزراعي في لبنان يعود إلى السياسات الاقتصادية ساهمت أيضاً في إفقاد الزراعة جدواها. فبين عامي 1992 و2006، لم تتجاوز حصة وزارة الزراعة 0.87 بالمئة في المتوسط من الموازنة السنوية للدولة. وبقي الإنفاق على البحث والتطوير الزراعي محدوداً، فيما تذهب معظم موازنة الوزارة إلى الرواتب بدلاً من تطوير القطاع ودعم المنتجين.
وتعرّض ما تبقى من القدرة الإنتاجية لضربة إضافية في الأشهر السابقة للحصار. فقد ألحق العدوان الإسرائيلي أضراراً بأكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتسبب بنفوق نحو 1.8 مليون من الدواجن ورؤوس الماشية، ونزوح قرابة 78 بالمئةمن مزارعي الجنوب. كما أظهرت إختبارات التربة في المناطق التي تعرضت للرش بالمواد الكيميائية مستويات من الغليفوسات تقارب 60 ضعف المعدلات الطبيعية، ما يعني أن بعض الأراضي قد تحتاج إلى سنوات لاستعادة قدرتها على الإنتاج.
ظهرت نتائج ذلك قبل إغلاق موانئ أوديسا. فقد توقعت وزارة الزراعة، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، أن يواجه 1.24 مليون شخص في لبنان إنعدام الأمن الغذائي بحلول آب/2026، مقارنة بـ874 ألفاً قبل بضعة أشهر. وفي ظل الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019، يزيد ضعف الإنتاج المحلي الحاجة إلى العملات الأجنبية الشحيحة لتمويل الواردات، بدلاً من الحد منها.
لذلك يدخل لبنان الأزمة من دون إنتاج محلي يستطيع تعويض القمح المستورد، ومن دون قدرة مالية عامة أو عملة مستقرة تستطيعان الفصل طويلاً بين ارتفاع السعر العالمي وكلفة الخبز محلياً.
لماذا لبنان حساس تحديداً؟
لبنان يعتمد بشكل كبير على استيراد القمح، وكانت أوكرانيا تاريخياً مورداً أساسياً جداً للسوق اللبنانية؛ وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أوكرانيا شكلت نحو 67 بالمئة من واردات لبنان من القمح في إحدى السنوات الأخيرة.
وهنا المشكلة ليست فقط في سعر القمح نفسه، بل في إرتفاع كلفة الشحن والتأمين بسبب مخاطر البحر الأسود. صعوبة وصول السفن إلى الموانئ الأوكرانية واضطرار المستوردين إلى البحث عن مصادر بديلة، قد تكون أغلى، باإضافة ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية إذا استمرت الكميات الروسية والأوكرانية في الانخفاض، واحتمال انتقال الزيادة لاحقاً إلى الطحين والخبز وسائر المنتجات التي يدخل فيها القمح.
لكن هل يعني ذلك أن سعر الخبز في لبنان سيرتفع فوراً؟
ليس بالضرورة.هناك عاملان قد يخففان الصدمة:
أولاً: روسيا ما زالت تصدّر كميات كبيرة من القمح. لكن صادراتها تواجه حالياً مشاكل لوجستية في البحر الأسود والبحر الآزوف، ما دفع المصدرين الروس إلى تحويل جزء من الشحنات إلى موانئ البلطيق.
ثانياً: المخزونات والإنتاج العالمي.
حتى الآن لا نتحدث عن تكرار صدمة 2022 بالضرورة. منظمة الأغذية والزراعة كانت تتوقع مخزونات عالمية كبيرة نسبياً، رغم أن اضطرابات الشحن الأخيرة دفعت أسعار الغذاء والحبوب إلى الارتفاع. وفي آب 2026 ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي لـFAO إلى 133.3 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2022، بينما ارتفعت أسعار الحبوب 2.2 بالمئة خلال الشهر.
في الخلاصة لبنان لا يواجه حالياً نقصاً فورياً في القمح ولديه إمدادات، إذ أن المخزون الموجود لدى المطاحن يكفي لنحو شهرين إلى شهرين ونصف، لكن هامش الأمان أصبح أقل بكثير. والمشكلة المقبلة هي السعر وكلفة تأمين الإمدادات. أي أن التحول إلى مصادر بديلة يمكن أن يرفع كلفة الطن بنحو 30–70 دولاراً أو أكثر بحسب المصدر والشحن. الخطر الحقيقي للبنان هو سيناريو «القمح الأغلى» وليس «القمح المفقود».
فإذا كان لبنان يحتاج إلى استبدال جزء من شحناته القادمة من البحر الأسود بمصادر أبعد وأغلى، فسترتفع كلفة القمح والشحن والتأمين وكلفة التمويل وفاتورة الاستيراد. ثم ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى الطحين والخبز.
Up And Down Beirut