الطلاق في لبنان… من عيب إلى ترند

لم تعد الزيجات في لبنان تتزايد بالوتيرة نفسها، فيما تتسع في المقابل دائرة الانفصال بصورة لافتة. فالأرقام تكشف ارتفاع معدلات الطلاق بنحو 28 في المئة مقارنة بما كانت عليه سابقاً، بالتزامن مع تراجع واضح في الإقبال على الزواج، في تحول لا يبدو عابراً أو مرتبطاً بظرف اجتماعي موقت، بل يعكس تبدلاً أعمق في نظرة اللبنانيين إلى الارتباط وتكوين الأسرة والقدرة على الاستمرار داخلها.

كما يبدو واضحاً، تغيرت النظرة إلى الطلاق إلى حد كبير في المجتمع خلال السنوات الماضية. إذ لطالما كانت هناك نظرة سلبية إلى الطلاق والمطلقين، لكن بسبب عوامل عديدة، حصل تغيير كبير وبدا أن الطلاق بدأ يتخذ شكل الظاهرة التي تحقق المزيد من الانتشار مع تزايد مقلق في معدلاتها. فمن كون الطلاق عيباً اجتماعياً أو من المحرمات، أصبح اختياراً واقعياً مقبولاً لا عيب فيه وترند تتباهى فئة من الناس بمواكبته في حفلات تقام خصيصاً للإعلان عن الخبر، وتنشر تفاصيلها وصورها على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

ارتفاع مقلق في معدلات الطلاق

تشير التقارير والأرقام الحديثة إلى ارتفاع أرقام الطلاق بشكل لافت بالمقارنة مع ما كانت عليه سابقاً بتأثير من عوامل عديدة لعبت دوراً في ذلك.

 

تكشف المديرية العامة للأحوال الشخصية التابعة لوزارة الداخلية عن ارتفاع أرقام حالات الطلاق من 6894 في عام 2024 إلى 8823 في عام 2025، فيما سجلت 2823 حالة طلاق في الأشهر الأولى من العام الحالي.

 

في المقابل تظهر الأرقام الصادرة عن شركة الإحصائيات اللبنانية “ستاتيستيك ليبانون” على مدى سنوات ارتفاعاً متزايداً من عام 2012 إلى اليوم مع 6249 حالة طلاق في عام 2012، وزيادة تدريجية حتى 7173 حالة طلاق في عام 2016 ، و7751 في عام 2017، ثم 8348 في عام 2018.

 

وبعد تراجع بسيط سُجل في الأعوام التي تلت، عادت الأرقام لتسجل ارتفاعاً إلى 8501 حالة في عام 2023، مع تراجع حتى 6894 حالة في عام 2024 لتعود المعدلات وترتفع في عام 2025 وتصل إلى 8823.

 

هذا في مقابل تراجع ملحوظ في عقود الزواج من 36748 في عام 2012 إلى 25828 في عام 2024، ثم 32852 في عام 2025.

مجموعة من العوامل وراء هذه الأرقام

يؤكد مدير عام شركة الإحصاءات Statistics Lebanon ربيع الهبر هذا الواقع إلى مجموعة من العوامل لعبت دوراً في حصول هذا التغيير. وفي مقابل هذه الزيادة التي سُجلت في الأرقام، تحوّل الطلاق إلى ما يشبه الظاهرة التي تحقق رواجاً بحيث لم تعد النظرة إليه سلبية كما كانت عليه، وأصبح هناك قبول مجتمعي لما كان يعتبر عيباً. إلى حد أن حفلات الطلاق والانفصال باتت تقام تماماً كالحفلات التقليدية للزواج، وكأنها خطوة تستحق فعلاً الاحتفال ببداية جديدة.

 

ما لاحظه المحامي رهاد إبراهيم دايخ أن معدلات حالات الطلاق ارتفعت بالفعل في السنوات الأخيرة، ويلاحظ أنها أصبحت أكثر رواجاً بين مختلف الطوائف والمذاهب.

 

ويضيف دايخ أن خطوة الإقدام على الطلاق أصبحت أكثر سهولة لدى مختلف الطوائف، واللافت أن المرأة اللبنانية أصبحت أكثر جاهزية لخطوة الطلاق. حتى أنه ثمة حالات مؤسفة حصل فيها تنازل عن الأطفال من أجل الحصول على الطلاق، بعد أن كنا نشهد قبل أعوام مضت على قضايا ودعاوى من أجل الحفاظ على حضانة الأطفال بين الطرفين، ويقول “ما نشهده اليوم من تهاون في هذا المجال، لم نكن نشهده في السابق”.

 

وتابع “صحيح أن الأسباب الاقتصادية كانت دائماً من العوامل التي تؤجج الخلافات الزوجية وتزيد من التوتر في العلاقة الزوجية، وهي لا تزال موجودة وتسهم في ذلك، لكنها ليست وحدها السبب وراء الإقدام على خطوة الطلاق ووراء انتشار هذه الظاهرة، كما يعتقد كثيرون. وهي حتماً ليست العامل الذي أدى إلى التحوّل في المجتمع في النظرة إلى الطلاق ليبلغ المرحلة التي أصبح فيها من الممكن الاحتفال بهذه الخطوة”.

 

ويكشف أنه أخيراً أصبحت حفلات الطلاق في لبنان ظاهرة اجتماعية مثيرة للجدل أيضاً ويتباهى فيها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي في الاحتفال بالبداية الجديدة بعد الطلاق، على رغم أن ذلك منافٍ للقيم الأسرية ومن الظواهر التي تتعارض مع العادات والتقاليد.

 

من تابو إلى ترند

في حديثها عن تحوّل الطلاق من تابو إلى ترند في المجتمع، توضح الخبيرة في علم الاجتماع والأستاذة في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتورة سوزان منعم أن الأسباب الاقتصادية ليست حصراً من العوامل التي تؤدي إلى هذا التزايد الذي نشهده أخيراً في حالات الطلاق. فما يلعب دوراً أساسياً اليوم في ذلك هو اختلاف الأدوار في المنزل بين الرجل والمرأة. فبعد أن كان دور المرأة تقليدياً وتتحمل مسؤولية البيت والأطفال، أصبحت هناك مساواة في المجتمع بينها وبين الرجل، ولها دور تماماً مثله في المجتمع وفي سوق العمل، ولها حياة مهنية تحرص عليها ومسؤوليات في هذا المجال.

 

هذا ما انعكس على دورها في المنزل، وهذه التغييرات لم يكن الكل حاضراً لها. فهناك إعادة توزيع للمهام في المنزل نظراً للتكاتف الحاصل في تحمل المسؤوليات في العائلات. في المقابل، لا تزال هناك ذهنيات غير مستعدة بعد لهذا النوع من التغيير في الأدوار، ولا يزال البعض يتمسك بدور المرأة التقليدي ما يسهم في تعزيز الخلافات.

 

دور وسائل التواصل الاجتماعي

من جهة أخرى، تشير منعم إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً أيضاً في تأجيج الخلافات وفي زيادة الاندفاع نحو خطوة الطلاق، وتقول “من العوامل التي تسهم اليوم أيضاً في ارتفاع معدلات الطلاق أن كل شيء أصبح مباحاً وباتت العلاقات أسهل بوجود منصات التواصل الاجتماعي التي تسهّل العلاقات خارج إطار الزواج والمنزل بحيث لم يعد هناك ما هو محظور. أما التمثل بالآخر فمشكلة حقيقية أيضاً تزيد أثرها وسائل التواصل الاجتماعي في ما تكشفه من صور مثالية تعزز مشاعر الغيرة وتزيد من معدلات الكذب والخيانة”.

 

الأمثلة الحية في المجتمع حول حالات الطلاق المتزايدة كثيرة، منها ما حصل بين زوجين بعد سنوات من الزواج ومنها ما يبدو مفاجئاً أكثر بعد لأن الطلاق تم بعد فترة قصيرة من الزواج قد لا تتخطى الأشهر أو حتى الأسابيع أحياناً، وبعد حفلات زفاف ضخمة أقيمت وكانت حديث المجتمع.

مكانة المرأة في حياتها المهنية

قد تكون الفوارق الاجتماعية وعدم التكافؤ الاجتماعي بين الزوجين ما يزيد من الخلافات ويكون هذا سبباً وراء الطلاق، أو حتى يمكن أن يكون تقدم المرأة أو المكانة التي تصل إليها في حياتها المهنية أو في التعليم سبباً وراء ذلك، فهي مسألة لا يتقبلها الرجال دوماً بحسب منعم. ففي كثير من الأحيان تكون هذه من أسباب الطلاق في مجتمعاتنا.

 

أما الإنجاب فمن الأسباب التي لطالما لعبت أيضاً دوراً في الخلافات الزوجية. ففيما لا تعتبر المرأة سبباً دائماً وراء عدم القدرة على الإنجاب، لا يتقبل الرجل عادةً أن تكن هناك مشكلة لديه على مستوى الخصوبة والقدرة على الإنجاب.

 

ما تؤكده منعم أنه في أيامنا هذه، لم يعد هناك التزام في الزواج ولم تعد هناك نظرة إليه لاعتباره مقدساً، في مختلف الطوائف والمذاهب. فلم يعد الكل يدرك أهمية الحوار والقناعة والثقة لاستمرار أي زواج وحتى لا تصل الأمور إلى مرحلة الطلاق. وكثيرة هي الحالات التي حصل فيها الطلاق بعد سنوات عديدة من العلاقة العاطفية والحب. فبغياب القناعة أصبح هناك ميل إلى عدم تقبل الآخر بسهولة، وأصبح الطلاق يحصل على نطاق أوسع وبطريقة عشوائية بعد أسابيع أو أشهر أو سنوات من الزواج، مع ما لذلك من تداعيات على الأطفال.

 

اختلفت النظرة إلى الطلاق اليوم، وأصبح يتم بطريقة أسهل بعد أن كان من المحرمات. والكل يعلم أنه في مجتمعنا كانت عودة المرأة إلى بيت أهلها بعد زواجها، في حال حصول طلاق، عيباً، ما يجعلها أكثر تردداً قبل الإقدام على هذه الخطوة. أما اليوم فأصبحت أكثر استقلالية ويلعب العامل المادي دوراً في ذلك بما أنها قادرة على الاعتماد على نفسها وتخطي هذا العائق من دون مشكلة. هي لم تكن قادرة على إعالة أولادها، لكن الأمور أصبحت أسهل اليوم لأنها امرأة عاملة وقادرة على تحمل المسؤوليات.

المصدر: اندبندنت عربية

 

شاهد أيضاً

دراسة تكشف سر اختفاء آلاف اللغات عبر التاريخ

قد يبدو وجود نحو 7500 لغة منطوقة ولغة إشارة حول العالم اليوم دليلاً على ثراء …