
أمام أعباء تضخمية عديدة كان آخرها تحريك أسعار الكهرباء 12 في المئة في مصر، لم يجد ناصر عبده سوى اختصار إجازة الصيف التي كان يقضيها وأسرته كل عام في مصيف رأس البر، لتصبح يوماً واحداً فقط على أحد الشواطئ، ضمن برامج ترفيهية صممت خصيصاً ولاقت رواجاً بفعل ضغوط المعيشة.
يقول الموظف الخمسيني “اعتدت كل عام أن أقضي أسبوعاً في رأس البر، لكن الكلفة تضاعفت كثيراً، بين إيجارات وانتقالات ومصروفات شخصية… قبل عامين كانت كلفة إقامتي وأسرتي المكونة من أربعة أشخاص لا تتعدى 7 آلاف جنيه (136.83 دولار) لكن هذه الكلفة تضاعفت اليوم”.
رأس البر… مقصد العائلات متوسطة الدخل
يرى ناصر أن رأس البر لا تزال مقصداً مناسباً للعائلات متوسطة الدخل، مقارنة بغيرها من الوجهات المصيفية الأخرى على ساحل البحر المتوسط، لولا أن تراكم الأعباء المعيشية جعلت قضاء أسبوع في المدينة الساحلية أمراً لا يتحمله كثر، ومن بينهم المتحدث.
نما التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية 14.3 في المئة خلال يونيو (حزيران) الماضي، وسجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.2 في المئة خلال الشهر ذاته، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
تحريك أسعار الكهرباء والوقود
وعلى رغم وعود الحكومة بتجميد أسعار الوقود خلال العام الحالي، فإنها حركت أسعاره والغاز بنسب تراوحت ما بين 14 و30 في المئة خلال مارس (آذار) الماضي، ويُتوقع أن تتخذ قراراً آخر هذه الأيام في شأن أسعار الوقود ضمن آلية التسعير التلقائي.
في المقابل، وخلافاً لوعود وزارة الكهرباء بعدم تحريك تعريفة المنازل خلال أشهر الصيف، فإنها أعلنت خلال الساعات الماضية تثبيت أسعار الكهرباء للشريحة الأولى، مع إقرار تعريفة محاسبية جديدة لباقي شرائح الاستخدامات المنزلية بمتوسط زيادة بلغت نحو 12 في المئة، وهو القرار الذي لاقى انتقادات واسعة لما يمثله من أعباء تضخمية.
ازدهار رحلات اليوم الواحد
وأمام هكذا قرارات وجد الآلاف ضالتهم في رحلات اليوم الواحد، فصار لهذا النشاط مجموعات دردشة وأشخاص ينظمونه على نحو احترافي، وبأسعار مناسبة تشمل الانتقال ودخول الشاطئ والوجبات والمشروبات.
يعج شاطئ دمياط الجديدة نهاية كل أسبوع بآلاف الزائرين من خارج المحافظة، وعلى رغم أن المدينة لا تعد مصيفاً بمعناه التقليدي من حيث استعدادات الإقامة والشاليهات والفنادق والخدمات، فإنها وجهة مفضلة لمن يبحثون على الإمتاع العابر منخفض الكلفة.
رحلات منخفضة الكلفة
يقول أحمد راغب أحد الشباب العاملين في تنظيم هذه الرحلات، وهو مسؤول اتصال وتنسيق الرحلات، لـ”اندبندنت عربية” إن رحلات اليوم الواحد لا تكلف الأسر كثيراً، وتحقق الترفيه بصورة ميسرة ومنظمة، في أجواء جماعية وحماسية ممتعة.
راغب الذي يعيش في مدينة المنصورة، يتلقى طلبات الزيارة عبر مجموعة دردشة بموقع “فيسبوك”، ويرافق المصطافين عبر الأتوبيسات من وإلى جمصة ودمياط الجديدة ورأس البر، بـ500 جنيه (9.77 دولار) تقريباً للفرد و200 جنيه (3.91 دولار) للطفل، يرى أن ضغوط المعيشة جعلت هذه الرحلات الخيار الأنسب لكثر.
خارج الاقتصاد غير الرسمي
وبينما لا تخضع هذه الرحلات إلى نشاط سياحي منظم وتظل خارج الاقتصاد الرسمي في الغالب، فإن راغب يتوقع نموها بقوة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع تنفيذه ما يزيد على 50 رحلة منذ مطلع يونيو الماضي ، المتخصص السياحي محمد رضوان يرى أن هذا النمط الترفيهي ليس وليد اليوم بل معروف منذ عقود، لولا أن وتيرته زادت في الأعوام الأخيرة بفعل أزمات الاقتصاد وغلاء المعيشة وتآكل مدخرات الأسر.
الترفيه في مراحل متأخرة
ويلفت رضوان إلى أن تعويم الجنيه وما تبعه من ارتفاع في معدلات التضخم جعلا كلفة المصيف عبئاً لم يعد بمقدور كثير من الأسر تحمله، في ظل وجود أولويات أخرى أكثر أهمية توارى خلفها الترفيه.
وعومت القاهرة الجنيه المصري خمس مرات منذ عام 2016، كان آخرها في مارس 2024، بموجب اتفاق تمويلي قيمته 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي.
وتراجع سعر الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي في يوليو (تموز) الماضي نحو ستة في المئة، مما جعله ثاني أسوأ أداء من بين العملات على مؤشر “بلومبيرغ”، مستقراً فوق 51 جنيهاً للدولار في البنوك المصرية، بفعل تخارج مئات الملايين من دولارات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية.
تراجع مدخرات المصريين
وتشير إحصاءات وزارة التخطيط إلى تراجع معدل الادخار المحلي في مصر خلال العام المالي 2024 – 2025، ليهبط إلى نحو 218 مليار جنيه (4.13 مليار دولار) بما يعادل 1.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع نحو 848 ملياراً (16.05 مليار دولار) تمثل 6.1 في المئة خلال العام المالي قبل السابق، مع تراجع القدرة الادخارية للمواطنين.
وعلى رغم نجاح رحلات اليوم الواحد في تحقيق إمتاع عابر لكثر، فإن ناصر عبده، يأمل في أن يعود وأسرته إلى عادته السابقة، وأن يحظى العام المقبل بفرصة قضاء أسبوع كامل في أحد المدن المصيفية من دون أن تطارده الأعباء والأرقام وحسابات الكلفة الباهظة.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut