
ترانس بوسيشن (Transposition) أو تحويل، تعني تطويع الطبقة الموسيقية لعزف متناغم، عنوان العرض الموسيقي الذي قدّمه الفنانان من اصل فلسطيني عبد الوهاب الكيالي ونسيم الأطرش مؤخرا في مدن تورونتو وأوتاوا ومونتريال.
’’حداد جماعي‘‘
اخترت نسيم الأطرش المقيم في الولايات المتحدة الأميركية لانه الانسب لهذا العمل وكونه فلسطينيا فهذا يأخذ بعدا إضافيا.
يؤكد كيالي أنه لا يزال يرفض النقاء في الموسيقى ويعنيه الصدق فحسب. ويعتبر أن الانتماء الموسيقي يأتي قبل الانتماء إلى القضية. يشرح بأن نسيم الأطرش ’’المولود في فلسطين درس الموسيقى الغربية وتأثر بالموسيقى الهندية والعالمية…هو لا يعزف كفلسطيني حصرا وإنما كفلسطيني تعرض لكل هذه المؤثرات في تكوين شخصيته العزفية على غراري أنا تماما‘‘.

وجد عبد الوهاب الكيالي بأن الأداء الفني بينه وبين نسيم الأطرش بلغ ذروته في مسك ختام الحفلات في مدينة مونتريال، ’’في مونتريال نخبة جيدة من ذواقة الموسيقى أضف إلى ذلك أن العرض بحد ذاته كلما قدم على المسرح أمام الجمهور كلما اكتسب مهارة وحلاوة‘‘.
فلسطين بالنسبة لي مجاز، انا لم اعش فيها ولم أزرها في حياتي قط، ولدت في لبنان، كبرت في الأردن وعشت في أميركا والمغرب… زرت كل البلاد إلا فلسطين… أرفض أن ألقب بالفنان الملتزم ولدي تحفظ كبير في هذا الإطار…إن الفنان الملتزم يضع قضيته قبل الفن عكسي تماما …نقلا عن الفنان عبد الوهاب الكيالي
يؤكد كيالي بأنه ينتظر من جمهوره تقييم الموسيقى لأجل الموسيقى من دون اعتبارات أخرى، خصوصا ألا تطغى أصوله الفلسطينية على خيارات الجمهور. في المقابل، كما يوضح كيالي، فإن شعور الناس بالتواصل مع كل ما تعني لهم فلسطين من خلال الموسيقى التي يقدمها أمر يسعده وإن لم يكن مقصودا من قبله.
وقف الحضور دقيقة صمت بعد أول معزوفة في الحفلات التي قدمت في المدن الكندية، حدادا على الضحايا الذين سقطوا منذ بداية حرب غزة.
يقول كيالي: ’’لحظة الحداد الجماعي في بداية الحفل شكلّت تعبيرا عن عاطفة جماعية لم يعبر عنها عن طريق التظاهر كما هو حاصل منذ سنة ونحو 9 شهور، حيث تتسم هذه العاطفة بالغضب. أخذ الحداد الجماعي في حفلنا بعدا آخر ووجدت الأرواح عزاءها في الأنغام والموسيقى، التي أفرغت كل شحنات الغضب‘‘.
لا يدعي هذا الفنان بأنه قدّم حفلاته لأهل فلسطين تزامنا مع المسيرة العالمية إلى غزة، يقول: ’’يقيني أن الغزاويين بحاجة الى الخبز والطحين أكثر من حاجتهم إلى أي شيء آخر ‘‘؟
يرى والد عبد الوهاب ماهر الكيالي أن ابنه لا يوفر سبيلا من أجل الدفاع عن فلسطين منذ نعومة أظفاره وهي في قلبه ووجدانه وكل كيانه.
منذ طفولته لديه وعي غير عادي بالسياسة والفكر وقد تأثر بعمه الذي يحمل اسمه والذي اغتيل في ريعان شبابه عام 81. ترك عمه إنجازات فكرية وأسس في بيروت دار نشر ونال الدكتوراه في لندن عن تاريخ فلسطين الحديث. على غراره، حصل ابني على الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعات أميركا…نقلا عن ماهر الكيالي، والد عبد الوهاب الكيالي
يبدي الأب كل الفخر إذ استطاع ابنه بعد سنوات قليلة على وجوده في مونتريال اعتلاء خشبة مسرح البلاس دي آر العريق ، بدورها تعلّق سوسن الكيالي والدته، التي شاهدت ابنها لأول مرة على مسرح كندي، بأن أمورا عدة ساهمت في تغيير المشهد والتحفيز على الإبداع في حفل مونتريال، تقول: ’’هناك عراقة المسرح ورقي الجمهور الذي أنصت بكل حواسه وجوارحه من دون أي تشويش على العرض… أعجبت بالعزف وحتى بالتقسيمات شعرت بأنه متجلّ أكثر من ذي قبل…تأثرت لدرجة لم أستطع أن أكفكف دموعي من شدة الفرح‘‘.
’’مونتريال مناصرة فلسطين بامتياز‘‘
يقول كيالي إنه ممتن وراض على اختياره لمونتريال ’’الحاضنة فنيا وثقافيا بلا منازع‘‘. بعد نحو 4 سنوات على استقراره فيها، يفتخر باختيارها، إذ وفرت له البيئة الصحية اللازمة ليتفرغ لشغف الموسيقى الذي مسّه منذ صغر سنه. يقول كيالي ’’بإمكاني استلام دار النشر في بيروت، أو ممارسة النشاط السياسي أو البحوث الأكاديمية مع درجة عالية من الكفاءة، ولكن في كل هذه الأمور لا استطيع مس أحد أو ترك انطباع وجداني على أحد كما هي الحال في الموسيقى‘‘.

يؤكد عبد الوهاب الكيالي أن الانسجام الفني الكامل بينه وبين نسيم الأطرش ’’الذي يعزف بروحه‘‘ فاق توقعاته. لم يكن الانسجام على المستوى المهني فحسب بل تعداه إلى المستوى الشخصي أيضا خصوصا بسبب التغريبة الفلسطينية التي تجمعهما.
الترف الموسيقي الذي أعيشه اليوم لم تكن أي مدينة أخرى في العالم لتوفره لي مثل مونتريال…أضف إلى ذلك أنه بعد حدوث الإبادة في غزة انكفأت كل مدن العالم عن التنديد والإدانة، وظلّت مونتريال المناصرة الوحيدة، يقيم أهلها التظاهرات وترفع في أجوائها أعلام فلسطين…قد لا يغير هذا الأمر شيئا على أرض الواقع ولكنه على الأقل يرفع المعنويات وتشعر أنك غير منبوذ أو تعيش في مجتمع يريد إقصاءك وإلغاءك…نقلا عن الفنان عبد الوهاب الكيالي
’’نزوح وعودة‘‘ بين اليأس والأمل
9 قطع موسيقية تضمنها الحفل، واحدة فقط ألفها الفنان فادي حتّر والباقي بتوقيع كيالي. وقد استُحضرت فلسطين في شكل خاص في المعزوفتين الأخيرتين.
’’نزوح أو تهجير، يقول كيالي، كتبتها في بداية حرب غزة عندما غاب عن عيوني النوم وكان يجب إفراغ القساوة التي تعج في داخلي بالنوتة…لم يكن واضحا حينها أن عدد الضحايا سيكون بهذه الكمية‘‘.
في هذه المعزوفة كان الإيقاع مثقلا بالشجن والألم، نغمات مكسورة حزينة تأخذ بسامعها إلى القعر. على عكس المعزوفة التي تلتها ’’العودة: دبكة لشيرين أبو عاقلة‘‘ وقد ألفها كيالي عشية حرب غزة في أيلول 2023 وقدمها في حفل تخصيص جامعة كارلتون الكندية لجائزة في الصحافة بإسم أبو عاقلة.
أدخلت هذه المعزوفة الإشراقة والأمل إلى قلب سامعها، وتغلغلت في القلوب نسمات عليلة لفحت أغصان الزيتون وسنابل القمح الذهبية في أرض فلسطين…كأنها تغريد طيور وحوار أزهار في جنائن غناء في بقعة من ذلك العالم الأرحب حيث لا وهن ولا تعب.
ذلك العالم تعيش فيه اليوم شيرين أبو عاقلة، يقول كيالي، مثنيا على أداء نسيم الأطرش الذي استطاعت أوتاره على التشيللو تجسيد إيقاعات الدبكة، التي تعلمها الأطرش منذ نعومة أظفاره.
معزوفة العودة شئتها احتفاء بحياة أبو عاقلة وبمسيرتها…اعلموا أننا لا نعبر باللطم والسوداوية عن الموت فحسب، بل إننا أيضا نخلق الفرح والبهجة والحياة من رحم الأحزان
شاركت أمال كاترين شوملي في حضور حفل مونتريال خصوصا أن نسيم الأطرش ابن بلدتها بيت ساحور في الضفة الغربية وسعت للتواصل مع جذورها بعد أكثر من نصف قرن عاشته في مونتريال. تقول إن الموسيقى نقلت إليها مشاعر مختلفة، فشعرت تارة بالحزن وأخرى بالفرح، ولكنها شعرت أطوارا بالحب والأمل. وقد أسعدها كثيرا وجود حضور من الكنديين من غير الفلسطينيين. وهذا إن دل على شيء، كما تقول، ’’فهو دلّ على أننا نستطيع نقل تراثنا وثقافتنا وانسانيتنا إلى العالم بأسره…إننا شعب مسالم ولا نطالب بأكثر من العيش الكريم، حق كل إنسان في هذه الحياة‘‘.
Up And Down Beirut