
لم تعد الدراما التركية تحتاج إلى الترجمة كي تصل إلى الجمهور العربي، ولم تعد المسافة بين إسطنبول وبيروت تُقاس بالكيلومترات، بل بالحكايات التي تعبر من شاشة إلى أخرى، لتُروى بوجوه عربية ولهجات محلية، حاملةً معها قصص الحب والصراع والخيانة، بتفاصيل أقرب إلى حياة المشاهد العربي.
من “عروس بيروت”، الذي شكّل عام 2019 إحدى المحطات الأولى في موجة التعريب، توالت أعمال مثل “ستيليتو” و”الثمن” و”كريستال” و”الخائن” و”لعبة حب” و”العميل”، وصولًا إلى أعمال أحدث مثل “آسر” و”سلمى” و”حب ع ورق”، التي أثارت تفاعلًا على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع انتقال هذه الأعمال من تجارب محدودة إلى إنتاجات متواصلة على مدار العام، يبرز التساؤل عن أسباب هذا التوسّع، وما إذا كان نجاحها مرتبطًا بقصصها أم بالفرص التي يوفّرها هذا النموذج لشركات الإنتاج والمنصات.
رهان المسلسلات المعرّبة
يربط المخرج والناقد الفني شربل الغاوي والإعلامي والناقد الفني أندريه داغر، في حديثهما إلى “لبنان الكبير”، انتشار المسلسلات المعرّبة بحاجة منصة “شاهد”، التابعة لمجموعة “إم بي سي” السعودية، إلى تقديم محتوى على مدار العام، بدلًا من الاكتفاء بالموسم الرمضاني، إلى جانب علاقة الجمهور بالدراما التركية والممثلين اللبنانيين والسوريين الذين قلّ ظهورهم في الإنتاجات المحلية.
ويرى الغاوي أنّ نجاح العمل التركي لا يضمن نجاح نسخته العربية، إذ يتوقف ذلك على اختيار القصة والممثلين، ولا تكفي الاستعانة بالمؤثرين لاستقطاب الجمهور. ويشير إلى أنّه توقّف عن متابعة المنصة بعد رمضان لعدم عثوره على أعمال تشجّعه على مواصلة المشاهدة.
في المقابل، يلفت داغر إلى أنّ المسلسلات المعرّبة وفّرت فرص عمل لممثلين غابوا عن الإنتاجات المحلية، فيما تشكّل المناظر التركية عامل جذب إضافيًا للمشاهدين.
بين الاقتباس والتعريب
ينتقد الغاوي إطالة بعض المسلسلات وتكرار أحداثها، معتبرًا أنّ المماطلة قد تفقد العمل جاذبيته بعد بداية مشوّقة. ويقول: “جميعها تبدأ بشكل جيد، ثم تبدأ الأحداث بالمماطلة.” كما يشدّد على أنّ التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعكس بالضرورة الجودة الفنية، وأنّ المسلسلات المعرّبة لا تحلّ مكان الإنتاجات العربية الأصلية، بل تشكّل مسارًا موازيًا لها.
أما داغر، فيربط جودة النسخة المعرّبة بمدى تجاوزها النقل الحرفي إلى معالجة تتناسب مع المجتمع الذي تُقدَّم له. ويوضح أنّ التعريب لا يقتصر على تغيير اللغة والأسماء والأماكن، بل يتطلّب إعادة صياغة الشخصيات والصراعات. ويقول: “التعريب الحقيقي يتطلّب إعادة بناء الشخصيات والصراعات بما يعكس خصوصية المجتمع الذي يُقدَّم له العمل”، داعيًا إلى اختصار الحلقات وحذف الحشو بدل نقل الأحداث مطوّلةً من النسخة التركية. ويطرح هذا التمييز مسألة أوسع: هل تكفي المواهب المحلية لتقديم دراما أصلية، إذا لم تتوافر لها ظروف إنتاج مناسبة؟
ماذا عن الدراما اللبنانية؟
في هذا السياق، يعتبر الغاوي أنّ استمرار المسلسلات المعرّبة بالوتيرة نفسها ليس مضمونًا، خصوصًا أنّ التصوير الطويل قد يدفع بعض الممثلين إلى تفضيل الأعمال الرمضانية.
ومن زاوية الإنتاج المحلي، يربط داغر تعثّر الدراما اللبنانية بمحدودية التمويل وغياب صناعة إنتاج متكاملة، لا بنقص المواهب. ويؤكد: “لدينا كتّاب رائعون وكاتبات رائعات، ولدينا نصوص مميّزة جدًا”، معتبرًا أنّ هذه النصوص تحتاج إلى فرص إنتاج حقيقية، وأنّ دعم شركات الإنتاج وإلزام المحطات التلفزيونية بإنتاج أعمال محلية قد يساعدان في استعادة حضور الدراما اللبنانية عربيًا.
من “ما عم بعرف أحواكي” إلى “مراد بيك، لا تتركني هيك”، تبدو المفارقة واضحة: الدراما العربية التي صنعت يومًا شخصيات وحكايات عالقة في الذاكرة، تجد نفسها اليوم تفسح المجال لقصص تركية بلباس محلي، في مشهد يثير تساؤلات عن مستقبل النص العربي الأصلي.
Up And Down Beirut