
تبدو مهمة مستحيلة تلك التي يكلف بها نفسه المؤرخ البريطاني سيمون سيباغ مونتيفيوري في كتابه الصادر حديثاً في أكثر من 500 صفحة بعنوان “المرجل: صنع الشرق الأوسط الحديث”.
فقد أخذ مونتيفيوري على عاتقه أن يكتب تاريخ الشرق الأوسط الحديث، أي المنطقة الممتدة من المغرب غرباً إلى إيران شرقاً، في العصر الممتد منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية وحتى الحروب الجارية في عامنا هذا (2026). فليس بنقد كبير لمشروع بهذا الحجم وهذا الطموح ما يرد في السطور الأولى من استعراض “ليرتاري رفيو” [سبتمبر (أيلول) 2026] إذ يكتب ماليس روثفين أن الكتاب “أبرع في السرد، وأضعف في التحليل”.
لكن الأكاديمي والكاتب الإيرلندي سرعان ما يتدارك نفسه قائلاً إن الكتاب في جملته “عرض مبهر للسلاطين والشاهات والملوك والضباط والجواسيس والثوار والقتلة. وقلما نجد من المؤرخين من يحافظ على الحضور القوي والواضح لكل هذه الشخصيات وهم يتنقلون ثابتي الخطى من صالونات القاهرة إلى أنقرة أتاتورك إلى نجف الخميني”، وإن لم يعن هذا التدارك أن روثفين يدخر للنهاية جملة من الانتقادات والمآخذ التي لا ينفعه معها تدارك.
يكتب سام كيلي [“ذي اندبندنت” – 30 أغسطس 2026]، أن “المرجل” كتاب شديد الطموح، ومن أجل تغطية موضوعه الشاسع مكانياً وزمانياً “قرأ مونتيفيوري فأكثر القراءة، واتسع نطاق مواضيعه، وجمع جملة استثنائية من الشخوص. فاستطاع في أفضل حالاته أن يتناول نظاماً سياسياً معقداً فيجعله بغتة مفهوماً عبر جمل قليلة أو من خلال شخصية مرصودة بدقة. غير أن الإيقاع في أحايين أخرى يتسارع، والتحولات تتواتر، وسلاسل الحكام والانقلابات والحروب والطوائف والتحالفات والخيانات تتشابك، فيصعب على القارئ أن يحافظ على أي تسلسل منطقي”.
“غير أن الفكرة التي تنتظم الكتاب كله فكرة قوية، مفادها أن الشرق الأوسط ’مرجل‘ بسبب الجغرافيا التي وضعته في مفترق طريق وجعلته مغنماً ثميناً للمتنافسين من الأباطرة والمهاجرين والمستوطنين والشعوب.
ويرى مونتيفيوري في الفتوح والحركات الديموغرافية وتكوين الدول محركات متواترة في التاريخ، لذلك فهو يصر على عدم اختزال المنطقة في العرب وحدهم، وهو أحرص على ألا يختزل العرب في [الصراع بين] إسرائيل وفلسطين، ففي قصة الشرق الأوسط الحديث متسع كبير للأكراد والأرمن والمارون والعلويين والبربر والأقباط واليهود والفرس وكثير غيرهم. فالكاتب يرفض بوضوح فكرة العالم العربي المتجانس، مذكِّراً إيانا بأن القوى العسكرية الكبرى في المنطقة اليوم، أي إسرائيل وإيران وتركيا، ليست بعربية أصلاً”.
3 رجال جهلة وأقوياء
في استعراضه للكتاب [“ذي تلغراف” – 21 أغسطس 2026] يكتب كون كافلين عن الشرق الأوسط ما نعلمه جميعاً، أنه “لأكثر من قرنين، ظل محلاً لبعض أهم التطورات السياسية في العالم، وظل أيضاً محوراً لبعض أعصى الصراعات على الحل. وقد يكون الصراع العربي – الإسرائيلي هو الأكثر لفتاً للانتباه واجتذاباً للجهد الدبلوماسي، لكنه ليس بأية حال القضية الوحيدة العالقة منذ أمد بعيد. فكل بلد [في المنطقة] شهد في العصر الحديث نصيبه من الحرب”.
“ففي الطرف الغربي على سبيل المثال لا يزال المغرب عالقاً في صراع لا ينتهي مع جبهة البوليساريو على الصحراء الغربية. وفي الطرف الشرقي ثمة إيران التي تسببت جهودها لنشر نسختها الشيعية من الإسلام في احتكاكات لا تنتهي مع جيرانها العرب، فضلاً عن الولايات المتحدة. وفي ما بين الطرفين، شهدت بلاد من قبيل الجزائر ولبنان والسودان واليمن وسلطنة عمان وسوريا وليبيا والعراق حروباً أهلية عنيفة. وبدءاً بالحرب الدائرة بلا حل في غزة بين إسرائيل و”حماس” وحتى حملة دونالد ترمب المستمرة على إيران، “تبدو الصراعات المؤثرة في المنطقة عصية على الحل”.
يبدأ الكتاب بانهيار الإمبراطورية العثمانية غداة الحرب العالمية الأولى، وميلاد القومية العربية التي أعقبتها. وحتى تلك الحرب كانت غالبية المنطقة المعروفة اليوم بالشرق الأوسط خاضعة على مدى أجيال لسيادة سلاطين إسطنبول الذين كانوا يديرون المنطقة من خلال شبكة ولايات أقاموا عليها ولاة مسؤولين عن أراضي المنطقة الشاسعة”.
“وفي أعقاب الحرب الكبيرة [أي العالمية الأولى] وانهيار الإمبراطورية العثمانية، أصبحت هذه الأراضي القديمة محط صراع سافر على السلطة. إذ سعت دول الحلفاء، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، إلى بسط حضورها الإمبريالي بموجب سلسلة من المعاهدات من قبيل (اتفاقية سايكس – بيكو) سيئة السمعة التي حددت طريقة إدارة المنطقة في ما بعد الحرب. وكان البريطانيون بصفة خاصة حريصين على السيطرة على فلسطين التي اعتبروها ضرورية لحماية قناة السويس ومصالحهم في مصر وشمال أفريقيا”.
“في مؤتمر فرساي عام 1919، احتدم التوتر، وقال ديفيد لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، ساخراً إن الجلوس بين الرئيس الأميركي الوديع وودرو ويلسن ونظيره الفرنسي المتغطرس جورج كليمنصو أشبه ’بالجلوس بين يسوع ونابليون‘. وكان اللورد بلفور، صاحب الإعلان الشهير عام 1917 بالمطالبة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو الذي أدى إلى عقود من العداوة بين اليهود والعرب، مستهيناً بالمؤتمر بالقدر نفسه، إذ قال إنه شهد ’ثلاثة رجال جهلة وأقوياء يقسمون القارات في ما بينهم‘”.
“ولكن هذا التقسيم، بما فرضه من حدود مصطنعة في أراض قبلية عريقة، لم يعزز السلام في الشرق الأوسط. وقد صدق هذا بصفة خاصة في تركيا التي أطلق فيها الزعيم العلماني الجديد مصطفى كمال أتاتورك ثورة ثقافية وقومية وطالب بالعنف صراحة حينما قال إن ’الثورات الدموية فقط هي التي تترسخ، أما الثورات السلمية فلا تدوم‘، فأسفر قوله ذاك عن قتل الميليشيات الكمالية 150 ألفاً من اليونانيين سعياً من الزعيم التركي إلى ترسيخ حدود دولته الجديدة. وبالقسوة نفسها قوبلت مساعي الأرمن لإقامة جمهورية مستقلة تضم أراضي قيصرية وعثمانية سابقة، فلقي ما بين 600 ألف ومليوني أرميني مصرعهم في مجزرة لا تزال تذكر إلى اليوم باعتبارها إبادة جماعية للأرمن”.
“وفي ميدان آخر، أدت مطالب تغيير إدارة البلاد في ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى انهيار أسرة قاجار الحاكمة في إيران بعد أن ظلت في السلطة لأكثر من قرن. فبسبب الإحباط من فساد حكام تلك الأسرة وانعدام كفاءتهم، أطاح أعضاء البرلمان الإيراني المعروف بـ(المجلس) بالأسرة القاجارية وأعلنوا في عام 1925 تولية العميد رضا خان، الذي قاد انقلاباً على الحكومة، منصب شاه إيران الجديد، فتأسست الأسرة البهلوية التي ستظل في الحكم لخمسة عقود تالية”.
“بعد الحرب العالمية الثانية، سيطر على الشرق الأوسط عصبة من أشهر الرجال، ففي مصر عبدالناصر، وفي ليبيا القذافي، وفي الأردن حسين، وعلى رأس منظمة التحرير الفلسطينية عرفات”. وتدليلاً على طبيعة العلاقات بين أولئك الرجال يتوقف استعراض كون كافلين عند واقعة معينة يوردها الكتاب، فقد “اقترح القذافي خلال اجتماع قمة في فندق هيلتون النيل عام 1970 أن يقتل الملك الأردني عند وصوله، وكان دافع القذافي هو الهجوم العسكري من الملك حسين على منظمة التحرير الفلسطينية في وقت سابق من ذلك الشهر الذي عرف بـ(أيلول الأسود)، وكان ذلك الهجوم بدوره رداً على اتهامات بمحاولة عرفات إطاحة الملك، لكن ناصر أقنع القذافي بالتراجع”.
يرى مونتيفيوري أن الحدث الأكبر تغييراً للشرق الأوسط في تاريخه الحديث هو الثورة الإيرانية عام 1979، “إذ طالبت أغلبية الإيرانيين بإطاحة نظام الشاه وقد بات بحلول ذلك الوقت شديد القسوة والفساد، وكان البديل ذو القبول الشعبي هو روح الله الخميني، العالم الديني رفيع المقام الذي كان مقيماً في منفاه بباريس، وكان المعارض الوحيد الذي يطالب بخلع الشاه. ولما اجتاحت المظاهرات البلد واضطر الشاه إلى الرحيل رجع الخوميني إلى طهران منتصراً.
من ضروب المستحيلات
يرى مونتيفيوري أن أهمية الثورة الإيرانية تعادل أهمية الثورات الأوروبية في ما بين 1789 و1917، لأن الدولة الإسلامية التي أنشأها الخميني مثلت تهديداً دائماً لاستقرار العالم العربي منذ ذلك الحين، وشجعت على إنشاء وتطوير حركات مستلهمة من الثورة الإسلامية من قبيل “حماس” وتنظيم “القاعدة” الإرهابي التابع لأسامة بن لادن وإرهابيي “داعش” الذين نجحوا، وإن لوهلة، في العقد الماضي في إقامة خلافتهم في سوريا.
“ليس مونتيفيوري بغريب على الشرق الأوسط، فلأسرته روابط تاريخية بمدينة الصويرة المغربية الساحلية التي كانت الموطن الأصلي لعائلة سيباج. وقد استند في كتابه هذا إلى خبرته الطويلة، مضيفاً إليها نطاقاً عريضاً من الحوارات مع باحثين وساسة مرموقين من الشرق الأوسط. لكن بحوثه هذه لم تتركه إلا متشائماً تجاه آفاق السلام في الشرق الأوسط.
فلا يزال العالم فعلياً يتعامل مع عواقب كل من هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2002، التي أدت إلى غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق، وهجمة “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل. ومن ينظر إلى تورط الولايات المتحدة ’المتقطع‘ في المنطقة، على حد تعبير مونتيفيوري، مضيفاً إليه انهيار قدرة كثير للغاية من البلاد على حكم نفسها، كما هي حال ليبيا والسودان واليمن وسوريا والعراق ولبنان، ينتابه القلق على مستقبل المنطقة”.
“يبدو الشرق الأوسط اليوم أكثر انقساماً على المستوى الداخلي من ذي قبل. إذ يكاد يكون من ضروب المستحيلات أن يجتمع القادة العرب على موقف موحد من قضاياهم الأساسية، بدءاً بحل الصراع الإيراني إلى إنهاء الحرب في غزة. وفي هذا الجزء من العالم مثلما ينبه مونيفيوري ’لا يزال السيف هو الذي يقرر من يحكم‘. ولا يزال السلام بعيداً من الشرق الأوسط بعده منه حينما كانت المنطقة في طور التكوين قبل قرن من الزمن”.
يأخذ ماليس روثفين على الكتاب بضعة مآخذ مهمة، منها إغفاله مراجع أساسية لمؤرخ يكتب باللغة الإنجليزية منها (مغامرة الإسلام) لمارشال هودجصن الذي “لا غنى عنه” في رأي روثفين “لفهم ديناميكيات السلطة والثقافة في أراضي المنطقة”، وتحليل إيفانز ريتشارد للسنوسية الذي “كان ليثري سردية الكتاب الليبية”، وكذلك كتاب إليزابيث مونرو (فيلبي العرب) “الذي يتناول ديناميكيات المملكة العربية السعودية وتأسيسها”.
ويأخذ عليه أيضاً إغفاله دور الولايات المتحدة الإنجيلي في ترسيخ القومية الإسرائيلية المشيحانية، فهو “يستحق أكثر من القدر الذي يطرح مونتيفيوري، وبخاصة أن للدعم الأميركي لإسرائيل جذوراً دينية في الرؤية البروتستانتية للآخرة بجانب التعاطف مع الشعب اليهودي. وعلى رغم أنه لا يمكن لعرض عام أن يشمل كل شيء، فإن هذه الغيابات تشير إلى نقطة واحدة هي أن مسرح الأحداث والشخصيات يحجب الآليات الاجتماعية والدينية التي تربط بينها”.
ويمضي ماليس روثفين في مآخذه فيقول إن “المشكلة تزداد حدة في الفصول الخاصة بإسرائيل وفلسطين. فمونتيفيوري لا يدخر نقداً للاحتلال والفوقية اليهودية والعناصر ’الدينية الفاشية‘ في اليمين الإسرائيلي، وتصويره لإسرائيل بوصفها ’متغطرسة وغير آمنة، مفرطة الطموح وقليلة الاستعداد، علمانية ليبرالية وعسكرية مشيحانية، مبهرة في تكتيكاتها، فقيرة في استراتيجيتها‘ هو تصوير لا ينسى ومنصف بالقدر نفسه. وهو أيضاً يكتب بقوة عن تشريد الفلسطينيين وإذلالهم، مع رفضه النظر برومانتيكية إلى (حماس) أو التعامي عن وحشيتها في السابع من أكتوبر 2023”.
ويأخذ ماليس روثفين على الكاتب أيضاً أن تناوله لغزة بعيد من التناول الموضوعي، إذ إنه “يكرر وضع ’الإبادة الجماعية‘ بين أقواس أو يربطها بهستيريا وسائل التواصل الاجتماعي والصرعات الأكاديمية الليبرالية. هذا على رغم أن قضية جنوب أفريقيا ظلت منظورة أمام محكمة العدل الدولية حتى صدور الكتاب، وعلى رغم أن المؤرخ الإسرائيلي المرموق دولياً آفي شلايم جعل من الاتهام [بالإبادة الجماعية] عنواناً لكتاب أصدره أخيراً، وحجة أساسية فيه”.
ويحمد روثفين للكاتب فضحه لازدواج معايير الاهتمام الدولي، “فغزة تحظى بمكانة استثنائية في الخيال الأخلاقي الغربي، ومن أسباب ذلك أهمية بعض المنتقدين اليهود لإسرائيل، في حين أن كوارث السودان واليمن وسوريا تكافح كي تحظى بالانتباه”. ويثني روثفين بصفة خاصة على تناول “المرجل” للسودان وحربه الأهلية الطاحنة المستمرة بسبب دعم قوى خارجية لطرفيها، معتبراً أنه “تناول قيم”.
يشير روثفين إلى نتائج مهمة وجريئة يتوصل إليها مونتيفيوري، منها أن “النظام الذي أقيم بعد الحربين العالميتين آخذ في الضعف، وأن القوى المحلية الآن تمارس نفوذاً يفوق ما يسمح به المحللون الغربيون في العادة، وأن الشرق الأوسط يتقارب مع القوقاز وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وشرق أفريقيا بوصفها جميعاً ساحة للتنافس والصراع. كما أن الكاتب يقدم طرحاً مقنعاً أيضاً بجعله عام 1979، لا 1948 أو 1967، مفصلاً للعصر الحديث في المنطقة”.
وأخيراً يبرز روثفين تشبيهاً يراه مفيداً، “فعلى رغم فظاعة حروب الشرق الأوسط الحديثة، فإن مجموع قتلاها كلها أدنى كثيراً من أن يقارن بضحايا أي من طرفي الحرب العالمية الأولى، كما أنها تتضاءل قياساً بساحات القتل الأوروبية والآسيوية في الحرب العالمية الثانية”. وهو لا يرمي من هذا التشبيه إلى “وضع جدول ترتيب للمعاناة”، لكنه “يقاوم النظرة الاستشراقية إلى الشرق الأوسط باعتباره فريداً في عنفه، أو أنه منطقة مفطورة على العنف”. أو، بعبارة أخرى: قد يكون “المرجل” عنواناً مناسباً بالقدر نفسه لكتاب في تاريخ أية منطقة من العالم، أو للعالم برمته، ولتاريخ الإنسان في كل مكان.
عنوان الكتاب: The Cauldron: The Making of the Modern Middle East
تأليف: Simon Sebag Montefiore
الناشر: Weidenfeld & Nicolson
Up And Down Beirut