
احتاج الأمر إلى بعوضة واحدة تحت المجهر حتى تظهر قطعة أساسية من لغز حيّر الأطباء قرونًا. ففي 20 أغسطس/ آب 1897، كان الطبيب البريطاني رونالد روس يفحص بعوضة تغذت على دم مريض بالملاريا في الهند، عندما عثر داخلها على أجسام تحمل الصبغة المميزة لطفيلي المرض.
كان أمامه دليل على أن الطفيلي لا يعيش داخل الإنسان وحده، وإنما يتطور أيضًا داخل البعوض.
أطلق رونالد روس على ذلك التاريخ لاحقًا اسم “يوم البعوض”، وأصبحت ملاحظته محطة حاسمة في الطريق إلى فهم انتقال الملاريا. ثم استكملت تجارب لاحقة الصورة، وأثبت باحثون إيطاليون في العام التالي بصورة قاطعة انتقال الملاريا البشرية بواسطة بعوض الأنوفيلة. وفي عام 1902، حصل روس على جائزة نوبل في الطب عن أبحاثه حول المرض.
بعد 129 عامًا، لم يعد طريق انتقال الملاريا لغزًا. نعرف الطفيلي والبعوض الذي ينقله، ولدينا ناموسيات معالجة بالمبيدات وأدوية واختبارات سريعة ولقاحان توصي بهما منظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، أصيب بالملاريا نحو 282 مليون شخص في 2024، وتوفي بسببها نحو 610 آلاف.
فلماذا يستمر مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه في قتل مئات الآلاف كل عام؟
ما الذي اكتُشف في 20 أغسطس؟
كان العلماء قد عرفوا الطفيلي قبل تجربة روس بسنوات. ففي 1880، شاهد الطبيب الفرنسي ألفونس لافيران الكائن المسبب للملاريا في دم المرضى، وحصل لاحقًا على جائزة نوبل عن اكتشافه. بقي سؤال آخر بلا جواب واضح: كيف ينتقل الطفيلي بين البشر؟
اشتبه الطبيب الاسكتلندي باتريك مانسون في دور البعوض، وحاول روس اختبار الفرضية خلال عمله في الهند. أمضى أشهرًا يفحص أنواعًا مختلفة من البعوض من دون نتيجة، حتى وصل إلى بعوض وصفه بأنه ذو أجنحة منقطة، وتبين لاحقًا أنه من جنس الأنوفيلة.
في 20 أغسطس/ آب 1897، وجد روس على جدار معدة بعوضة تغذت على دم مصاب أجسامًا تحتوي على صبغة مرتبطة بطفيلي الملاريا. وعندما فحص بعوضة أخرى في اليوم التالي، وجد الأجسام نفسها وقد أصبحت أكبر. كان ذلك دليلًا على أن الطفيلي يمر بمرحلة نمو داخل البعوض.
لم تكن دورة انتقال الملاريا البشرية قد اكتملت علميًا في ذلك اليوم. فقد واصل روس تجاربه باستخدام ملاريا الطيور، فيما أثبت جيوفاني باتيستا غراسي وزملاؤه في إيطاليا عام 1898 أن بعوض الأنوفيلة ينقل الملاريا بين البشر. لكن تجربة روس شكّلت الاختراق الذي ربط الطفيلي بالبعوض وفتح الباب أمام تحويل مكافحة الحشرة إلى أداة لمكافحة المرض نفسه.
إذا عرفنا الناقل.. لماذا لم ينتهِ المرض؟
لأن معرفة الناقل لا تعني بالضرورة القدرة على قطع طريقه في كل مكان.
الملاريا مرض تسببه طفيليات من جنس Plasmodium، تنتقل إلى البشر أساسًا بواسطة لدغات إناث بعوض الأنوفيلة المصابة.
تدخل الطفيليات جسم الإنسان، تمر بالكبد ثم تصل إلى خلايا الدم الحمراء، حيث تتكاثر وتسبب المرض. وعندما تلدغ بعوضة أخرى شخصًا مصابًا، يمكن أن تلتقط الطفيلي وتعيد نقله.
تبدو الدورة بسيطة على الورق. أما كسرها على الأرض فيحتاج إلى سلسلة كاملة تعمل من دون انقطاع: منع لدغات البعوض، ومكافحة الحشرات الناقلة، وتشخيص الحالات مبكرًا، وتوفير الدواء الصحيح بسرعة، وحماية الأطفال والحوامل والفئات الأكثر عرضة للمرض.
أي حلقة ضعيفة في هذه السلسلة تمنح الطفيلي فرصة للاستمرار.
الجغرافيا تحدّد من يدفع الثمن
تكشف خريطة الملاريا أن المشكلة ليست موزعة بالتساوي بين سكان العالم.
وفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، استحوذ إقليمها الأفريقي في 2024 على نحو 94% من حالات الملاريا و95% من الوفيات الناجمة عنها عالميًا. وكان الأطفال دون الخامسة الفئة الأكثر هشاشة، إذ شكّلوا نحو ثلاثة أرباع وفيات الملاريا في الإقليم.
ليست المصادفة وحدها وراء هذا التركّز. فالحرارة والأمطار والبيئة الملائمة للبعوض تجعل أجزاء واسعة من إفريقيا مناسبة لانتقال المرض، لكن الخطر البيولوجي يتقاطع مع الفقر وضعف الأنظمة الصحية وصعوبة الوصول إلى المرافق الطبية والنزاعات والنزوح.
يمكن علاج الملاريا إذا شُخّصت في الوقت المناسب، لكن الحمى التي تبدأ في قرية بعيدة عن مركز صحي ليست كالحمى نفسها في مكان تتوفر فيه الاختبارات والعلاج سريعًا. كما أن الناموسية المعالجة بالمبيد لا تحمي أسرة لم تصل إليها، والدواء الفعال لا ينقذ طفلًا إذا لم يصل إلى المستشفى في الوقت المناسب.
لهذا لم تعد الملاريا قضية بعوض وطفيليات فقط؛ إنها أيضًا قضية وصول إلى الرعاية الصحية.
حتى أدوات المكافحة تواجه مقاومة
هناك سبب آخر يجعل المواجهة أصعب وهي أن الخصم يتغير.
اعتمدت مكافحة الملاريا لعقود على الناموسيات المعالجة بالمبيدات، خصوصًا المبيدات من فئة البيرثرويد. وقد أنقذت هذه الوسيلة أعدادًا هائلة من البشر، لكن الانتشار الواسع لها خلق ضغطًا تطوريًا على البعوض، فنجت الحشرات الأكثر قدرة على تحمل المبيد وتكاثرت.
وصلت النتيجة إلى حد أن منظمة الصحة العالمية تؤكد وجود مقاومة للبيرثرويد في 48 دولة. لذلك بدأت برامج مكافحة الملاريا تتحول إلى ناموسيات من أجيال أحدث تستخدم مادتين فعالتين بدل الاعتماد على مادة واحدة.
الطفيلي بدوره لا يبقى ثابتًا. فالعلاجات المركبة القائمة على الأرتيميسينين تشكل العمود الفقري لعلاج أكثر أنواع الملاريا فتكًا، لكن مقاومة جزئية لهذه المادة أصبحت مؤكدة أو مشتبهًا فيها في عدد من البلدان الإفريقية.
حتى التشخيص دخل سباق التطور. فقد انتشرت طفيليات تحمل تغيرات جينية يمكن أن تجعل بعض اختبارات الملاريا السريعة أقل قدرة على اكتشاف الإصابة.
إنها معركة لا يكفي فيها امتلاك أداة ناجحة مرة واحدة؛ يجب تطوير الأدوات باستمرار قبل أن يتعلم البعوض أو الطفيلي الالتفاف عليها.
بعوضة جديدة تغيّر الخريطة
إلى جانب المقاومة، ظهر تحدٍّ آخر في إفريقيا يتمثل في انتشار بعوضة أنوفيلة ستيفنزي Anopheles stephensi.
موطن هذه البعوضة الأصلي أجزاء من جنوب آسيا وشبه الجزيرة العربية، لكنها توسعت خلال العقد الماضي في القارة الإفريقية، ووصل رصدها إلى تسع دول إفريقية.
خطورتها لا تكمن فقط في قدرتها على نقل الملاريا. فالعديد من أنواع البعوض الإفريقية الناقلة للمرض ترتبط أكثر بالمناطق الريفية، بينما تستطيع أنوفيلة ستيفنزي الازدهار في البيئات الحضرية والتكاثر داخل خزانات المياه والحاويات الصناعية، كما تتحمل درجات حرارة مرتفعة وتظهر مقاومة لعدد من المبيدات.
ولأن نمو المدن الإفريقية لا يؤدي تلقائيًا إلى إخراج الملاريا منها، ففي أبريل/ نيسان 2026، وضعت منظمة الصحة العالمية إستراتيجية قارية تستهدف منع انتشار هذه البعوضة واحتواءها وصولًا إلى القضاء عليها في إفريقيا.
وصل اللقاح.. لكنه ليس زر الإنهاء
أحد أكبر التحولات في تاريخ مكافحة الملاريا حدث خلال السنوات الأخيرة: أصبح للعالم لقاحان توصي بهما منظمة الصحة العالمية للأطفال، هما RTS,S وR21/Matrix-M.
وبحلول فبراير/ شباط 2026، كانت 25 دولة أفريقية قد أدخلت لقاحات الملاريا ضمن برامج تطعيم الأطفال، مع استهداف أكثر من عشرة ملايين طفل سنويًا.
كان هذا إنجازًا انتظره الباحثون عقودًا، لكنه لا يعني أن الملاريا أصبحت مرضًا يمكن إنهاؤه باللقاح وحده. توصي منظمة الصحة العالمية باستخدام التطعيم ضمن حزمة تشمل الناموسيات ومكافحة البعوض والوقاية الدوائية والتشخيص والعلاج.
هناك أيضًا مشكلة أكثر عملية: وصول اللقاح. فرغم أن الإمدادات أصبحت كافية لتلبية الطلب، تقول المنظمة إن معظم الدول التي أدخلته لا تزال تطبقه على نطاق أقل من أهدافها الوطنية بسبب نقص التمويل.
وهكذا تتكرر المشكلة نفسها: العلم ينتج أداة جديدة، لكن تأثيرها يتوقف على القدرة على إيصالها إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا إليها.
فجوة بمليارات الدولارات
تظهر حدود الاستجابة بوضوح في التمويل. بلغ الإنفاق العالمي على مكافحة الملاريا في 2024 نحو 3.9 مليارات دولار، في حين حددت الاستراتيجية العالمية حاجة تقارب 9.3 مليارات دولار لعام 2025. أي إن الموارد المتاحة ظلت أقل من نصف المطلوب.
ينعكس هذا النقص مباشرة على عدد الناموسيات التي يمكن توزيعها، وحجم حملات مكافحة الحشرات، وتوافر الاختبارات والأدوية، وقدرة الدول على مراقبة المقاومة واكتشاف البؤر الجديدة.
تضاف إلى ذلك النزاعات التي تعطل المراكز الصحية وسلاسل الإمداد، والظواهر الجوية المتطرفة التي يمكن أن تغير درجات الحرارة وهطول الأمطار وموائل البعوض، فتخلق ظروفًا جديدة لانتقال المرض.
لهذا قد يكون السؤال “لماذا لم نقضِ على البعوض؟” أضيق من المشكلة الحقيقية. فالعالم لا يحتاج إلى إزالة كل بعوضة حتى يقضي على الملاريا، وإنما إلى منع سلسلة انتقال الطفيلي بكفاءة واستمرار. وهذا يتطلب نظامًا صحيًا وتمويلًا ومراقبة وأدوات تتطور بالسرعة التي يتطور بها المرض.
النجاح موجود.. لكنه غير مكتمل
مع ذلك، لا تعني أرقام الوفيات أن أكثر من قرن من مكافحة الملاريا ذهب سدى.
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن التدخلات منذ عام 2000 جنبت العالم نحو 2.3 مليار إصابة و14 مليون وفاة. كما باتت 47 دولة وإقليم واحد معتمدة رسميًا لدى المنظمة بوصفها خالية من الملاريا.
هذه الأرقام تبرهن على أن المرض قابل للتراجع، وحتى للاختفاء من دول كاملة. لكنها تكشف أيضًا التفاوت في القدرة على تحقيق ذلك.
في 20 أغسطس/ آب 1897، كان التحدي معرفة ما يحدث داخل بعوضة تحت المجهر. وبعد 129 عامًا، يعرف العلم دورة الطفيلي بتفاصيل لم يكن رونالد روس قادرًا على تخيلها، ويملك وسائل للوقاية والتشخيص والعلاج وحتى التطعيم.
تغيّر السؤال إذن لم يعد: كيف تنتقل الملاريا؟ صار: كيف نجعل كل ما تعلمناه عن انتقالها يعمل، في الوقت نفسه، وفي الأماكن التي تقتل فيها أكبر عدد من الناس؟
فالمشكلة العلمية التي بدأت تتضح داخل بعوضة قبل أكثر من قرن بات لها اليوم حلول كثيرة. أما التحدي الأصعب، فهو ضمان ألا يبقى مكان ولادة الإنسان أو قدرته على الوصول إلى الرعاية العامل الذي يقرر إن كانت لسعة بعوضة عابرة ستتحول إلى مرض يمكن علاجه.. أم إلى وفاة كان يمكن منعها.
المصدر: التلفزيون العربي
Up And Down Beirut