
قد تسهم الأدوية المخصصة لعلاج إحدى الحالات الشائعة التي تصيب العين، يوماً ما، في علاج أنواع السرطان العدوانية، من بينها سرطان الثدي والورم الميلانيني، وأحد أنواع سرطان الدم.
فقد توصل علماء في “معهد أبحاث السرطان” في لندن إلى أن هذه الأنواع من السرطان تعتمد على الجزيء نفسه في اكتساب طابعها العدواني والانتشار في الجسم.
وأظهرت الدراسة التي أجروها إمكانية مكافحة السرطان عبر استخدام أدوية متاحة حالياً لعلاج الـ”غلوكوما” [وهو اضطراب يسمى “المياه الزرقاء” يؤدي إلى تلف تدريجي للعصب البصري] والتي تعمل أساساً على تثبيط هذا الجزيء. إلى جانب ذلك، وحددت الدراسة مؤشرات معينة قد تساعد في معرفة المرضى الذين يحتمل أن يستجيبوا جيداً لهذه الأدوية.
وفي هذا السياق، أوضح الخبراء أن هذا البحث يرسي الأسس لتحديد الفئة المناسبة من المرضى لتلقي هذا العلاج، لافتين إلى أن الاعتماد على أدوية أثبتت مأمونيتها مسبقاً من شأنه تسريع وتيرة وصولها إلى المرضى ، وتشير الباحثة الرئيسة فيكتوريا سانز مورينو، أستاذة بيولوجيا الخلية السرطانية والنقائل، إلى أن “بعض أنواع السرطان تتسم بشراسة استثنائية، مما يجعل علاجها في غاية الصعوبة بمجرد انتشارها”.
وأضافت “يمثل رصد هذه السرطانات العدوانية ومنع قدرتها على الانتشار في أنحاء الجسم أمراً بالغ الأهمية لمهمتنا المتمثلة في مساعدة مزيد من الأشخاص على العيش بصورة جيدة مع السرطان”، واستطردت: “حدد بحثنا نقطة ضعف مشتركة بين الخلايا السرطانية العدوانية، وهي نقطة يمكن استهدافها في أنواع عديدة من السرطان، أياً كان موقع نشأتها في الجسم”.
وقالت سانز: “تحققنا من هذه النتائج في أنواع عدوانية من السرطان، مثل سرطان الثدي والورم الميلانيني، فضلاً عن نوع من سرطان الدم يعرف بابيضاض الدم النخاعي الحاد، لكننا نعتقد أن هذه البصمة الجزيئية، التي تميز الخلايا السرطانية المرجح موتها بعد العلاج، تنطبق على أنواع أخرى كثيرة من السرطان”.
وأردفت “ومن المطمئن معرفة وجود العلاج، إذ يمكن تكييف دواء آمن ومستخدم حالياً لدى بعض المرضى ليصبح علاجاً فاعلاً لهذه السرطانات”، وكرَّس الباحثون جهودهم للبحث عن مؤشرات تسهم في تحديد أنواع السرطان ذات الاستجابة الجيدة للأدوية المثبطة لجزيء يدعى “روك” ROCK، وهو أحد إنزيمات “رو كيناز” Rho kinase.
ويؤدي انتشار الخلايا السرطانية في الجسم إلى بلوغ المرض مراحل متقدمة يصعب علاجها، فيما تعتمد هذه الخلايا العدوانية على جزيء “روك”. ويتولى هذا الجزيء الحفاظ على توتر الهيكل الداخلي للخلايا، مما يدفعها إلى الانقباض واتخاذ شكل مستدير، ويولد القوة التي تحتاج إليها الخلايا لاختراق الأنسجة.
وخلال الدراسة التي نشرت في مجلة “آي ساينس” iScience، عكف الباحثون على تتبع المؤشرات التي تتيح فرز أنواع السرطان القابلة للاستجابة للأدوية المثبطة لجزيء “روك”، وهي الأدوية نفسها المعتمدة لعلاج مرض المياه الزرقاء.
وعمد الفريق البحثي، الذي يعمل في “مركز توبي روبينز لأبحاث سرطان الثدي” التابع لمعهد أبحاث السرطان، إلى تحليل بيانات مستقاة من قاعدة بيانات الحساسية للأدوية، بغية حصر الخلايا السرطانية المستجيبة لمثبطات “روك”، وتوصل الباحثون إلى أن خلايا سرطان الثدي التي أبدت استجابة لهذه المثبطات تحوي جيناً معيناً يعاني خللاً وظيفياً، يُطلق عليه (E-Cadherin).
أما في حالة الورم الميلانيني، فقد أظهرت قاعدة بيانات الحساسية أن الخلايا المستجيبة لمثبطات “روك” تميل إلى اتخاذ هيئة أكثر استدارة، ويرافقها نشاط مكثف لمسار إشارات يعرف باسم “أن أف كي بي” NFKB ، ولوحظ كذلك أن خلايا ابيضاض الدم النخاعي الحاد التي استجابت لمثبطات “روك” بصورة جيدة، تضم مجموعة فرعية بعينها من التغيرات الجينية.
واختبر الباحثون هذه النتائج بعد ذلك في تجارب مخبرية على عينات من الأورام، إلى جانب دراسات أجريت على الفئران ، ويعقد الباحثون آمالهم على أن تسهم خزعات أورام المرضى، التي تحمل هذه المؤشرات، في حسم مدى فاعلية مثبطات “روك” في خططهم العلاجية مستقبلاً.
ومن جانبه، قال الدكتور سايمون فينسينت، كبير المسؤولين العلميين في منظمة “سرطان الثدي الآن” Breast Cancer Now إن “الأهمية البالغة لمثل هذه الأبحاث تتجلى في مسعاها لإيجاد خيارات علاجية أكثر فاعلية، مع وفاة نحو 11500 امرأة سنوياً بسبب سرطان الثدي في المملكة المتحدة”.
وأشار إلى أن “دور الدراسة يتمثل في إرساء دعائم معرفية تحدد الفئات الأكثر استفادة من الأدوية المتاحة من بين المصابين بأنواع محددة من السرطان، كسرطان الثدي، كما أن البحث عن استخدامات بديلة للعلاجات الحالية الآمنة يعد مساراً أسهل وأسرع بكثير من ابتكار أدوية سرطانية جديدة من الصفر”.
وتابع فينسينت، مؤكداً أن “ما يبعث على التفاؤل حقاً هو الفاعلية الخاصة التي قد تبديها هذه الأدوية في استهداف الخلايا السرطانية ذات القابلية العالية للانتشار ومقاومة العلاج”.
وأوضح “لا يزال البحث في مراحله الأولى ويحتاج إلى تجارب سريرية، إلا أنه يعد خطوة محورية نحو توفير علاجات مخصصة لمرضى سرطان الثدي في المستقبل”.
ويبين المؤلف الأول للدراسة وباحث ما بعد الدكتوراه في معهد أبحاث السرطان في لندن، جاومي بارسيلو، والذي يعمل حالياً في “معهد بارتس للسرطان” التابع لجامعة “كوين ماري في لندن” أن “الدراسة وقفت على نمط محدد من السمات المشتركة بين أنواع عدة من السرطان، مما يفتح المجال لاستخدامها كدليل لفرز المرضى المؤهلين لتلقي هذا العلاج”.
وأشار إلى أن “الخطوة المقبلة في مسار البحث ستنصب على اختبار آلية عمل مثبطات روك عند دمجها مع العلاجات الأخرى، بُغية تحقيق أقصى منفعة ممكنة للمرضى”.
واختتم بارسيلو معرباً عن أمله في توظيف هذه النتائج للدفع بمثبطات “روك” نحو مرحلة التجارب السريرية لعلاج السرطان في القريب العاجل، مستفيدين من كونها معتمدة سلفاً كعلاج لمرض المياه الزرقاء.
الرئيسة التنفيذية لمؤسسة “ميلانوما فوكس” الخيرية، سوزانا دانيلز، ذكرت أنه “على رغم التطورات الكبيرة التي شهدها علاج الورم الميلانيني خلال العقد الماضي، لا يزال عدد كبير جداً من الأشخاص يموتون بسبب المرض كل عام، كما أن العلاجات المتاحة حالياً لا تحقق استجابة لدى جميع المرضى”.
وأضافت: “كل اكتشاف جديد يعزز فهمنا لكيفية نمو الورم الميلانيني وبقائه، ويقربنا من التوصل إلى علاجات أكثر فاعلية واستهدافاً، وقادرة على تحسين فرص البقاء على قيد الحياة”.
وختمت: “وعلى رغم أن هذه النتائج لا تزال في مرحلة مبكرة وتحتاج إلى الاختبار في تجارب سريرية، فإنها تفتح مساراً واعداً أمام الأبحاث المستقبلية في مجال الورم الميلانيني وتطوير علاجات أكثر تخصيصاً للمرضى”.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut