
يواصل مصرف لبنان محاولاته لإرساء قواعد عمل مصرفية أكثر انتظاما، مستندة إلى تعاميم وإعلامات تستهدف ضبط العمولات، وتشجيع وسائل الدفع الإلكتروني، والحد من الاقتصاد النقدي. غير أن الانتقال إلى التطبيق الكامل لا يزال يواجه عقبات، إذ تتمسك بعض المصارف باعتبارات الكلفة التشغيلية وغياب القوانين الإصلاحية التي تحدد التزاماتها خلال المرحلة الانتقالية، فيما يسعى “المركزي” إلى تكريس نمط مالي جديد يقوم على المدفوعات المصرفية والإلكترونية بدلا من التداول النقدي.
وتؤكد مصادر مصرفية أن عددا من المصارف لم يلتزم بالكامل بمضمون بعض التعاميم والإعلامات، معتبرا أن السقوف المحددة للعمولات لا تغطي كلفته التشغيلية، وأن استمرار العمل يتطلب هامشا يسمح بتغطية النفقات إلى حين إقرار التشريعات الإصلاحية.
الحسابات “المجمدة”؟
ومن أبرز الإجراءات التي اتخذها مصرف لبنان منع استيفاء أي عمولات على الحسابات غير النشطة (Dormant Accounts)، إلا أن عددا من المصارف واصل فرض رسوم شهرية عليها، وإن خفض قيمتها. فبعضها قلص العمولة من 20 دولارا إلى 10 دولارات، فيما خفضتها مصارف أخرى من 10 دولارات إلى 5 دولارات، من دون إلغائها نهائيا.
وبحسب المصادر، فإن الهدف من الإعلام الصادر عن مصرف لبنان هو تصفير هذه الرسوم بالكامل، إلا أن الجهات الرقابية تعاملت بمرونة مع المصارف التي خفضت العمولات، معتبرة أن ذلك يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، مع التشدد تجاه المصارف التي لم تُجرِ أي تعديل.
وتبرز أهمية هذا الإجراء بالنسبة إلى أصحاب الودائع الصغيرة، إذ إن استمرار اقتطاع 20 دولارا شهريا من حساب لا يتجاوز رصيده ألف دولار يؤدي عمليا إلى استنزافه مع مرور الوقت، بينما يبقى أثره محدودا على الحسابات الكبيرة.
الرواتب… بلا اقتطاعات
كما شدد مصرف لبنان على منع اقتطاع أي عمولات من تحويلات توطين رواتب القطاع العام الا عمولة مقطوعة قيمتها 75 الف ليرة شهريا، غير أن ذلك لا يمنع المصارف من استيفاء بدلات خدمات أخرى، مثل إصدار البطاقات المصرفية أو الخدمات الإضافية. أما التحويلات الواردة بالدولار الأميركي من الخارج إلى حسابات مصرفية في لبنان، فمعدل العمولة المفروضة عليها نحو 25 دولارا.
وبالنسبة إلى الشيكات والتحويلات وتوطين الفواتير، سمح مصرف لبنان باستيفاء رسوم ضمن سقوف معينة، إلا أن غالبية المصارف لا تزال تستوفي مبالغ أعلى، بحجة أن السقوف الحالية لا تغطي كلفتها التشغيلية.
الدفع الإلكتروني يتوسع
وبالتوازي مع تنظيم العمولات، يواصل مصرف لبنان بالتعاون مع شركتي “فيزا” و”ماستركارد” تشجيع الانتقال من الاقتصاد النقدي إلى الاقتصاد غير النقدي، عبر خفض كلفة استخدام البطاقات المصرفية داخل لبنان، وتعزيز حماية وسائل الدفع الإلكترونية، وفرض ضوابط إضافية على المحافظ الإلكترونية (Wallets)، بما يرفع مستوى الثقة بها.
وفي هذا السياق، أصدر مصرف لبنان الإعلام رقم 980، الذي ألزم المصارف والمؤسسات المصدرة للبطاقات المصرفية بتعديل أنظمة إدارة البطاقات وأنظمة الموافقات (Authorization)، بما يسمح بتحويل قيمة العمليات المنفذة بالدولار الأميركي على البطاقات المحلية إلى الليرة اللبنانية عند الدفع عبر أجهزة نقاط البيع (POS)، وفق سعر صرف 89,500 ليرة للدولار الواحد.
وجاء هذا الإجراء بعد قيام وزارة المال بالتنسيق مع مصرف لبنان بتركيب أجهزة نقاط البيع غي عدد كبير من صناديق الوزارة في بيروت والمناطق وفي وزارة العدل والعمل وغيرهم لتحصيل عدد من الضرائب والرسوم بالليرة اللبنانية، ما يتيح لحاملي البطاقات، ولا سيما البطاقات المقومة بالدولار، تسديد الرسوم الحكومية بالليرة من خلال تحويل قيمة العملية تلقائيا من الدولار إلى الليرة، في خطوة تهدف إلى توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتقليص الاعتماد على النقد.
توازيا، بدأت مصارف لبنانية تطوير خدمات مصرفية رقمية، من بينها NEO التابعة لبنك عوده، إضافة إلى مبادرات مماثلة لدى بنك بيبلوس و credit libanais وغيرهم، تتيح فتح حسابات إلكترونيا ضمن ضوابط تراعي متطلبات الامتثال، بما يشكل خطوة إضافية نحو التحول الرقمي في القطاع المصرفي.
الدولة تقلص الاعتماد على النقد
ولم يقتصر هذا التحول على القطاع المصرفي، بل امتد إلى الإدارة العامة، حيث باتت الخزينة تستوفي الجزء الأكبر من الضرائب والرسوم عبر التحويلات والشيكات المصرفية بدلا من الدفع النقدي، وذلك بعد ان تم تنسيق الاجراءات اللازمة مع مصرف لبنان والمصارف.
وفيما يخص الضريبة الجمركية، تجاوزت نسبة الرسوم والضرائب المسددة عبر التحويلات والشيكات الفريش بالعملة اللبنانية 95% بعدما كان الدفع النقدي الوسيلة السائدة سابقا.
ومع الإجراءات التي اتخذها مصرف لبنان، تتدفق إيرادات الدولة بصورة متزايدة عبر القطاع المصرفي، فيما انحصر الدفع النقدي في نسبة محدودة من العمليات، ينفذ معظمها عبر شركات تحويل الأموال، بما يعكس انتقالا تدريجيا، وإن كان بطيئا، من اقتصاد يعتمد على النقد إلى اقتصاد يقوم على المدفوعات المصرفية والإلكترونية، وهو أحد الأهداف الأساسية التي يسعى مصرف لبنان إلى ترسيخها من خلال تعاميمه وإعلاماته الأخيرة, وقد بدات هذه الإجراءات تظهر بوضوح في السوق اللبنانية حيث ارتفع استخدام البطاقات بنسبة كبيرة منذ بداية العام الحالي.
المصدر: النهار
Up And Down Beirut