
على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، وكما ينقسم الناخبون الأميركيون بين حزبين، يبدو الاقتصاد الأميركي نفسه منقسماً إلى اقتصادين متوازيين: يعيش أولهما نشوة الأرقام القياسية في وول ستريت واستمرار نمو الوظائف، بينما يرزح الآخر تحت وطأة تضخم عنيد، وارتفاع أسعار البنزين، وتراجع ثقة المستهلكين وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
هذا الانقسام الحاد يضع الرئيس دونالد ترمب وحزبه الجمهوري أمام معضلة، فبينما يرى المستثمرون والمصرفيون أن الاقتصاد ما يزال قادراً على تجاهل صدمات الصراع واضطرابات مضيق هرمز، يشعر ملايين الأميركيين بأن تكاليف المعيشة تواصل استنزاف دخولهم، وأن موجة الغلاء التي بدأت منذ 2021 لم تنتهِ بعد.
بيانات التضخم لشهر إبريل، والمقرر صدورها يوم الثلاثاء، قد تفاقم من هذا الشعور، حيث يتوقع الاقصاديون في مسح “بلومبرغ” نمو الأسعار بأسرع وتيرة منذ سبتمبر 2023 بنحو 3.7% على أساس سنوي. كما يتوقع المسح ارتفاع المؤشر بنسبة 0.6% على أساس شهري، بعد تسجيله في مارس أكبر زيادة منذ عام 2022.
نحاول في هذا التحليل إلقاء الضوء على أبرز المؤشرات التي تحكي قصة هذه الازدواجية في الاقتصاد الأكبر عالمياً للإجابة على سؤال مهم: أي الاقتصادين يمثل الواقع الحقيقي للأميركيين؟ وأي منهما ينتظر ترمب والجمهوريين في نوفمبر؟
اقتصاد قوي رغم الحرب…
“الاقتصاد الأميركي غير القابل للغرق لا يزال يبحر بسلاسة”.. هكذا عنون موقع “ماركت ووتش” (MarketWatch) المالي تقريراً حديثاً حول نمو الوظائف في الولايات المتحدة، بعد بيانات أظهرت نمو الوظائف للشهر الثاني على التوالي، متجاوزاً توقعات المحللين، بالتزامن مع استقرار معدل البطالة عند 4.3% دون تغيير.
ظهرت هذه الصلابة أيضاً في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي تسارع 2% خلال الربع الأول، ليؤكد قدرته على امتصاص الصدمة الأولى للصراع بصورة أفضل من بقية الاقتصادات الصناعية رغم الحرب.
أرباح الشركات ترتفع وسوق الأسهم تنتعش
كما أن أرباح شركات “إس آند بي 500” تقدم دعماً قوياً للأسهم. ووفق “فاكت ست إنسايت”، أعلنت 63% من شركات المؤشر نتائجها للربع الأول من 2026، وتجاوزت 84% منها توقعات ربحية السهم، مقارنة بمتوسط 78% خلال 5 أعوام. كما جاءت الأرباح أعلى من التقديرات بنسبة 20.7%، وهي نسبة تفوق المتوسطات التاريخية الأخيرة بوضوح.
ويبلغ نمو الأرباح المجمعة حالياً 27.1%، وهو مرشح لأن يكون الأعلى منذ الربع الرابع من 2021 إذا تحقق فعلياً. وأوضحت “فاكت ست” أن شركات “ألفابت” و”أمازون” و”ميتا بلاتفورمز” كانت أكبر مساهم في تعزيز نمو الأرباح.

هذا الأداء الاستثنائي، الذي شهد ارتفاع مؤشر “إس آند بي 500” بأكثر من 7% منذ بداية الحرب، دفع العديد من المصرفيين الذين اجتمعوا في مؤتمر “معهد ميلكن” السنوي في لوس أنجلوس هذا الشهر إلى التقليل من شأن أثر الصراع على بيئة الأعمال، حيث نقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” عن أحد الحاضرين قوله: “هل يكترث أحد إذا كان مضيق هرمز مفتوحاً أم لا؟”
تلخص هذه العبارة المسافة بين عالم الأسواق وعالم المستهلكين.
لكن للاستثناء الأميركي حدود..
غير أن الاقتصادي الأميركي بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل، يرى أن مكاسب سوق العمل الشهرية ليست سوى مجرد “ضوضاء”. وكتب كروغمان في مقال بتاريخ 9 إبريل أن بيانات العمالة منذ بداية 2024 تظهر “تباطؤ ضخماً في التوظيف” رغم عدم ارتفاع معدل البطالة، وهو ما يرجعه كروغمان إلى تراجع أعداد المهاجرين بسبب سياسة إدارة ترمب.
كما أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي جاء دون توقعات المحللين، وأظهر اعتماد الاقتصاد بشكل متزايد على استثمارات شركات التكنولوجيا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو نفس القطاع الذي يدعم المكاسب القوية لأسواق الأسهم رغم الحرب.
الخبير الاقتصادي محمد العريان كتب في مقاله الدوري لصحيفة “فاينانشال تايمز” أن قدرة قطاع التكنولوجيا على حماية الولايات المتحدة من آثار الحرب لها حدود، وأضاف: “هناك سقف جيو-اقتصادي لهذا الصعود في السوق، وسنصل إليه في حال عدم انتهاء الحرب”.
كما حذرت ديان سوانك، كبيرة خبراء الاقتصاد في “كيه بي إم جي”(KPMG)، من أن الأسعار المرتفعة تلتهم مكاسب النمو والأجور.
النفط نعمة ونقمة في الوقت نفسه..
المفارقة أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً قد ينعكس إيجاباً على نمو الاقتصاد الأميركي، بسبب تحوّل البلاد من مستورد إلى مصّدر صافي للطاقة خلال السنوات الأخيرة. هذا يعني أن زيادة الإنتاج والأسعار ستؤدي إلى تسارع نمو القطاع وتحسن أرباح الشركات الأميركية، وهو ما حاول ترمب الإشارة إليه أكثر من مرة منذ بداية الحرب.
ارتفاع أسعار البنزين يدعم مبيعات التجزئة والإنفاق الاستهلاكي إسمياً في المدى القريب، بسبب صعوبة تقليص هذا البند في سلة الإنفاق الشخصي. حيث يظهر مؤشر “بلومبرغ” للاستهلاك أن المدفوعات المخصصة للوقود قادت الزيادة العامة خلال شهر إبريل، وهو ما قد يدعم الاقتصاد بشكل عام.

لكن هذه الزيادة تؤثر عادة على عناصر أخرى في سلة إنفاق المستهلكين، وهو ما تشير إليه بيانات شهر إبريل التي تظهر تباطؤ نمو الاستهلاك عند إزاحة بند الوقود جانباً، بحسب تقرير لبلومبرغ.
ومن ضمن محاولات ترمب لامتصاص هذه الزيادة كشفه عن اتجاهه لتعليق ضريبة البنزين الفيدرالية “لفترة من الوقت”، بحسب ما نقلته شبكة “سي بي إس” (CBS)، حيث قال: “سنلغي ضريبة البنزين لفترة من الوقت، وعندما ينخفض سعر البنزين، سنسمح لها بالعودة تدريجياً”.
ثقة المستهلك تتراجع..
هنا تبدأ الفجوة بين الاقتصاد الذي تراه الأسواق وذلك الذي يعيشه الناخبون في الاتساع، فقد تراجع مؤشر جامعة ميتشيغان لثقة المستهلكين لأدنى مستوياته منذ بداية صدوره عام 1952 مع بداية الحرب، ليصل إلى 48.2 في شهر إبريل.
لكن السبب الأكثر قبولاً لدى الخبراء هو أن موجة التضخم الحالية، حتى وإن كانت محدودة حتى الآن، فهي تأتي بعد أن تعرض الاقتصاد بعد جائحة “كورونا” والغزو الروسي لأوكرانيا إلى أكبر موجة غلاء منذ سبعينات القرن الماضي، أدت إلى ارتفاع تراكمي في الأسعار بأكثر من 25%.
مساحة مناورة الفيدرالي تتراجع
كما أن الحرب جعلت من مهمة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أكثر تعقيداً، حيث يتوقع معظم المحللين بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، خصوصاً مع بقاء التضخم فوق مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
بنك “غولدمان ساكس” أجّل توقعاته بخفض الفائدة بربع نقطة مئوية إلى ديسمبر من العام الحالي، بحسب تقرير أصدره اقتصاديو البنك بتاريخ 8 مايو. أما دان إيفاسكين، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة “باسيفيك إنفيستمنت مانجمينت” (بيمكو)، فقال في حديث مع “الفاينانشال تايمز” إنه “لا يستبعد تماماً” أن يقوم الفيدرالي برفع أسعار الفائدة.
رهان ترمب على كيفن وارش في قيادة الفيدرالي
ارتفاع أسعار الفائدة، أو حتى بقاءها عند المستويات الحالية لفترة أطول، غير مقبول لترمب، الذي انتقد رئيس “الاحتياطي الفيدرالي” جيروم باول أكثر من مرة بسبب انتهاجه لسياسة نقدية يراها الرئيس الأميركي ومسؤولي حكومته متشددة للغاية.

هذا الخلاف دفع ترمب لرفض تجديد ولاية باول على رأس البنك المركزي واختيار كيفن وارش خليفة له. غير أن وارش، الذي ينتظر تأكيد تعيينه من قبل مجلس الشيوخ هذا الشهر، قال في جلسة علنية في الكونغرس إنه لن يقبل تلقي أوامر من ترمب حول مسار سياسته، وهو ما بدّد آمال “وول ستريت” في خفض قريب لتكلفة الاقتراض هذا العام.
أي من الاقتصادين ينتظر ترمب والجمهوريين في نوفمبر؟
تشير معظم استطلاعات الرأي الرئيسية إلى أن مكاسب البورصة والاقتصاد لا تكفي حتى الآن لإرضاء الناخبين الساخطين على ترمب بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.
إذ أظهر استطلاع “رويترز/إبسوس” أن نسبة تأييده هبطت إلى 34%، وهو أدنى مستوى في ولايته الحالية، مقابل 47% عند توليه المنصب في يناير 2025. الأخطر أن 22% فقط يوافقون على أدائه في ملف تكاليف المعيشة، بعدما قفزت أسعار البنزين بأكثر من 50% إلى نحو 4.5 دولاراً للغالون منذ بدء الحرب.
كما تكشف الأرقام أن حرب إيران لم تعد ملفاً خارجياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل تحولت إلى عبء يومي على جيوب الناخبين. فبحسب الاستطلاع نفسه، لا يوافق سوى 34% من الأميركيين على الصراع مع إيران، نزولاً من 38% في منتصف مارس الماضي، بينما تراجعت شعبية ترمب الاقتصادية إلى 27%، وهو مستوى أدنى من أي قراءة سجلها خلال ولايته الأولى، بل وأقل من أضعف تقييم اقتصادي للرئيس الأميركي السابق جو بايدن.

يوجه هذا التراجع إنذاراً مبكراً للحزب الجمهوري قبل انتخابات نوفمبر المقبل؛ إذ أظهر الاستطلاع أن المستقلين المسجلين يميلون للديمقراطيين بفارق 14 نقطة في انتخابات الكونغرس الأميركي، بواقع 34% مقابل 20%، بينما ما يزال ربعهم متردداً.
كما خلص تحليل لمؤسسة “بروكينغز” إلى أن تراجع شعبية ترمب وتفاقم الاستياء من إدارته للاقتصاد وحرب إيران يزيدان فرص الديمقراطيين في تحقيق مكاسب كبيرة وربما انتزاع أغلبية مجلس النواب.
ورغم احتمال تغير المزاج الأميركي العام قبل الانتخابات، يحذر خبراء الاقتصاد وصانعوا السياسات من أن استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز لعدة أسابيع إضافية قد يطيل فترة التعافي حتى مع انتهاء الحرب. عندها قد لا تكون مشكلة ترمب هي أن الاقتصاد الأميركي ضعيف بالضرورة، بل أن الاقتصاد الذي يصوّت عليه الناخبون أضعف بكثير من ذلك الذي تحتفي به وول ستريت.
المصدر: الشرق
Up And Down Beirut