
يُنظّم مهرجان السينما اللبنانية في كندا عرضا أول خارج لبنان لفيلم ’’نهاد الشامي، للإيمان علامة‘‘. ويجول الفيلم من إنتاج (white media 121) لإبنها عصام الشامي في الصالات السينمائية في عدد من المدن الكندية والأميركية. افتتحت العروض في صالة سينما سينبليكس في لافال شمال مدينة مونتريال في 20 تشرين الأول /أكتوبر الماضي.

كان طابور الانتظار طويلا في بهو صالة سينما سينبليكس في مدينة لافال شمال مونتريال في العرض الأول في أميركا الشمالية لفيلم ’’نهاد الشامي للإيمان علامة‘‘ في 20 تشرين الأول /أكتوبر 2025.
ظنّ المُشاهد أنه يعلم كل شيء عن حياة نهاد الشامي التي ملأت لبنان وشغلت أهله طيلة أكثر من ثلاثة عقود بعد الأخبار عن ’’أعجوبة‘‘ شفائها من شلل نصفي عام 1993 ’’بشفاعة القديس شربل‘‘. ولكن هذا المُشاهد وجد نفسه أمام تحفة سينماتوغرافية ودرامية لا تروي الوقائع فحسب بل تعيد صياغة سيرة ذاتية بلغة سينمائية تشويقية رائعة تضع الفيلم في مصاف الأفلام المعاصرة الرائدة.
اضطلع المخرج اللبناني العريق سمير حبشي بمهمة كسر النمطية والإيقاع البطيء في أفلام السيرة الذاتية ليقدم لنا رائعة بصرية آسرة بتوقيع مدير التصوير ميلاد طوق.
المشاهد كثيفة جدا تمر كلمح البصر بإيقاع سريع جدا، يستمر المشهد ثوان معدودة قبل أن يليه المشهد الآخر. وقد شكل تعاقب الصور متعة قصوى للعيون بتقنية وتصوير سينمائي سبّاق، لدرجة ظنّ المشاهد أنه في معرض لوحات زيتية مع انسجام مطبق بين الظل والضوء.

ينقلنا الفيلم إلى قلب حكاية نهاد الشامي ويرويها كما لم تُروَ من قبل.
كان لا بد من تجسيد النقيضين والتباين بين الشر والخير والعتمة والنور ، لذلك نجد كثافة في استخدام الظل والضوء في تعاقب مشاهد الفيلم التي كانت بمثابة لوحات زيتية رسمها فنانو الحركة الواقعية. أو كأن كل لوحة كانت تتلو صلاة وتهليلا وحكاية إنسانية كونية كان فيها ’’للإيمان علامة‘‘.
تقول رئيسة مهرجان السينما اللبنانية هاي لاف حدشيتي ’’إن الفيلم لا ينتمي إلى الأفلام الدينية بقدر ما هو فيلم عالمي يلامس كل شخص مؤمنا كان أم لا…نعبر على مدة ساعة ونصف الساعة في رحلة إنسانية وروحية من دون إقحام المتفرج بتبشير ديني ينتهج الوعظ والخِطب الدينية. يقصّ الفيلم ببساطة شهادة حياة عن سيدة ورعة مؤمنة تواجه الظلم بالعفو والنكران بالمسامحة والكفر بالإيمان،. تستمد نهاد الشامي ثباتها من إيمان لا يقتصر على كونه عنصرا سرديا، بل يتحول إلى حضور محسوس، خيط نور يمتد عبر الظلام والاستبداد والقساوة‘‘.

أتى تجسيد الممثل يورغو شلهوب لدور سمعان الشامي مقنعا جدا بتفاصيل الخشونة في ملامحه القروية والعنفوان في حركته ونبرة صوته. بدوره أتى أداء الممثلة مايا يمّين بدور نهاد الشامي حقيقيا.
من هي نهاد الشامي؟
تشبه قصة نهاد الشامي قصص العديد من النساء في المجتمعات الريفية في الحقبة التي عاشت فيها علما أنها مولودة نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي. ولدت في بيت مسيحي لوالدة تقية تطلّ في المشهد الأول متوسطة أولادها راكعة معهم تعلمهم الصلاة. نُذرت نهاد الشامي لحياة القرية ومشقاتها في ذلك الزمان. ومنذ نعومة أظفارها كانت تحمل الزوادة لوالدها إلى الحقل، تعمل في الطبخ والخبز على التنور وجمع الحطب من الأحراش وغسيل الثياب مع شق الفجر بماء الرماد على النهر. تسلك طرقات وعرة وهي حامل بآواخر شهورها لتملىء الجرة مياها من العين، تزرع وتعنني بالبقر والأغنام والدجاج وإلى ما هنالك من الأعمال اليدوية الشاقة في الحياة الريفية، حيث كان العلم يقتصر على الذكور وغير محبذ للإناث.
صلاة، تشفع عند الرب، تردد على الكنيسة ورؤية السيدة العذراء في الحلم، مع ملامح الطيبة والطاعة والرضا والاستسلام وعدم التذمر في شخصية بطلة الفيلم، شكل كل ذلك الشق الروحي الذي عالجته التركيبة الدرامية المبتكرة بكل سلاسة وانسيابية وعذوبة.
…أنا حنة فَحلِة المزاريب ابني يكسرلي كلمتي

أمعنت الفنانة القديرة جوليا قصّار التي لعبت دور حنّة حماة نهاد الشامي في تجسيد الشر والجحود…على نقيض ذلك تظهر قصّار في نهاية حياتها بملامح الرضا ويبرزها مشهد ما بعد الاستحمام ناصعة البياض مشعة تدعو لكنتها بكل الخير.
تحوّل المحنة إلى إشراقة
تأخذ أحداث الفيلم وتيرة تصاعدية بعد زواج نهاد من سمعان ابن قرية المزاريب وتبدأ فصول من العنف والاستبداد والتنكيل تمارسه من اليوم الأول الحماة المتسلطة حنّة. ظلم جسدته بجدارة الممثلة القديرة جوليا قصّار لدرجة استفزت المشاهد وراح يتساءل: هل حقيقة كل هذا؟ هل يُعقل أن يتعرض إنسان لكل هذا التعنت والضرب والتنكيل والعنف؟
في المقابل، ثمّن المتفرج صبر نهاد على قسوة رجل جبلي صارم ورد فعلها على عداء حماة مستبدة ظالمة قاسية تختلق الأكاذيب بسبب شخصيتها المريضة وغير المتصالحة مع ذاتها حيث عانت هي الأخرى في طفولتها ولم تعرف حنان الأم.
يظهر الفيلم تقاليد أبناء الريف وظروف حياتهم القاسية. يروي عن علاقة الأب بابنته وفرضه الزواج عليها من ابن عمتها يوسف في البداية. يخاف والد نهاد أن يرد طلب ابن شقيقته ’’كي لا يَسوّد وجهه ويتهمونه بأن لا كلمة له على حريم بيته‘‘. مع ذلك يرضخ بعد حين لإرادة ابنته ونراه يستقبلها وفي بطنها ابنها البكر في منزل العائلة بعدما أبعدها زوجها عن ظلم وتنكيل والدته. تُنجب الشامي 7 صبيان وخمس بنات ويتم إنقاذها من محاولتَي انتحار.

شكل الضوء في الفيلم لغة بحد ذاتها وتكرر إظهار التباين بين الظل والضوء في مشاهد الفيلم المتعاقبة.
يشكل مشهد استحمام العجوز المصابة بالفالج محورا مفصليا في الفيلم، ’’الماستر سين‘‘ باللغة السينمائية. تلي مشهد الغفران والتطهير الروحي توبة حنّة وذوبان قساوتها وتلاشي ’’فحولتها‘‘ وبطشها أمام كِبر محبة نهاد وعفوها وصفحها. لم يكن الماء الذي تسكبه نهاد على جسد حماتها الكهل الواهن مجرد تنظيف، بل هو محو للأحقاد وتطهير للآثام. ’’تمتمت قطرات المياه صلاة وأشعث إيمانا لمس جميع الحاضرين في الصالة السينمائية المونتريالية‘‘، بحسب ما أكد غالبية الحضور تلك الليلة.
كانت تطل بين المشاهد العجوز نهاد الشامي نفسها حاملة مسبحة الصلاة في يدها ونراها أمام صورة مار شربل أو تَهمُّ بالدخول إلى كنسية.
تجدر الإشارة إلى أن نهاد الشامي شاركت في الربيع الماضي في افتتاح عروض الفيلم في لبنان ووافتها المنية، عن عمر ناهز الـ 87 عاما، بعد أقل من شهرين في 14 أيار /مايو 2025.
تركت نهاد الشامي إرثا روحيا كبيرا ولا يزال المؤمنون من أبناء الطائفة المسيحية في لبنان المقيم ولبنان الانتشار يأمون الكنائس يوم الثاني والعشرين من كل شهر. عادة بدأت قبل أكثر من ربع قرن للصلاة وطلب شفاعة القديس شربل كما أوصتهم نهاد الشامي التي تقول إن القديس نفسه دعا إلى هذه التظاهرة الدينية التي تتسع رقعتها مع مرور الزمن. في الـ 22 من كل شهر كان ينزف جرح نهاد الشامي في رقبتها حيث تقول ’’إن أعجوبة شفائها كانت على يد القديس شربل يعاونه القديس مارون حيث أتيا إليها في الحلم وأجريا لها العملية‘‘. تقول أيضا إن القديس شربل قصد أن يظل لجرحها ’’علامة‘‘ لمساعدتها في جذب المؤمنين إلى الصلاة.
الإقبال الكثيف على عرض الفيلم في مونتريال حيث نفذت التذاكر قبل أيام من العرض دفع بإدارة مهرجان السينما اللبنانية إلى الإعلان عن إضافة عرض ثان في مونتريال يوم 13 تشرين الثاني /نوفمبر المقبل.
Up And Down Beirut