كورونا اخذت حياتنا منا


كتابة هناء حمزة
من “معه في محنته” الى “لست معه في محنته” هو أبشع تحول اجتماعي في زمن كورونا ..
نحن البشر نحتاج لعلاقة بشرية جسدية نحن لسنا الات ومكنات ولسنا اجهزة كمبيوتر ..نحن بشر من لحم ودم نحتاج لقرب اجتماعي لان نكون مع من نحب نقرا عيونهم ونضحك لضحكهم ونبكي لبكائهم…
ملعونة كورونا هذه كيف تمص روحنا وتحرك اجسادنا بالشكل الذي تريد ، فتخفي حتى حركات شفاهنا من خلف الكمامة وتكبل ارواحنا فتجعلها اجساد من دون روح تحترف الابتعاد الاجتماعي وتتفنن بالتأقلم به..
تقطعت الكلمات وهو يخبرني ان اصحابه يسقطون واحد تلو الاخر في شبكة الفيروس اللعين ..كيف بي ان اطير وارتمي في حضنه أمده قوة ويمدني صمود .. .كنا نعيش عالم ما قبل كورونا حيث المسافات لا شيء والمطارات كالمولات يمكن زيارتها كل ويك اند والطائرات كالسيارات تستطيع ان تنقلك بساعات قليلة الى حيث تشاء متى تشاء فتختصر الشوق باللقاء والمحنة بالتعاضد وتكون معه في محنته ويكون معك في محنتك…
هذا “المعه في محنته” هو اصعب واقسى ما في ازمة كورونا حيث عليك ان تبتعد عن كل من هو في ازمة فلا تكن معه خوفا عليه، خوفا على نفسك ،خوفا على المجتمع لا اعلم ولكن ما اعلمه انه الاحساس الأصعب وخاصة لنا نحن من يعيش في الاغتراب بعيدا عن اهله حيث تلك المسافات القريبة اصبحت بعيدة بشكل لا يمكن ان تعبرها..
لم تستطع امال ان تعبر المسافة القريبة بين دبي وبيروت لتكون قرب اخيها في محنته ولم يستطع عبودة ان يكون مع امه في ايامها الاخيرة واكتفى بتلقي التعازي عبر رسائل على الواتس اب..حتى انا لم اعرف كيف اتصرف هل اتصل بامال او لا ماذا اقول لها كيف اشعرها بوجودي قربها وانا لست قربها ..كيف اعزي عبودة على الهاتف ماذا اقول له كيف اكون معه وأشد على يده ..ثقيلة ثقيلة جدا هذه الفيروس اللعينة كيف اخذت حياتنا منا.
حتى الفرح سرقته منا، لا حفلات تخرج للاولاد ويكتفي الاهل بنشر صور لاولادهم ضمن اطار على مواقع التواصل الاجتماعي يشير الى تخرجهم هذا العام..
جافة جدا هذه الصور ..جافة جدا هذه الحياة في زمن كورونا حيث لا حياة فيها…اريد ان احتقل بتخرج نايا اريد ان افرح لفرح ابنة صديقة لي ،اريد ان اراقب ضحكاتها مع رفاق التخرج والقبعات الطائرة ودموع فرح الامهات..
اصبح العرس صورة والتخرج صورة وعيد الميلاد صورة والعزاء رسالة واتس اب والشوق اتصال فيديو ..
كيف تجرات كورونا على قمع احاسيسنا بهذا الشكل وكيف رضخنا لها…ففصلنا اجسادنا عن ارواحنا واصبحنا الات ممكننة ..
انادي ابنتي” تعالي هنا”، احضنها اعانقها اعصرها بين يدي ..تسخر مني لدقائق قبل ان ننهار معا بموجة بكاء..تمسح دموعي وامسح دموعها ونبتسم معا ..اطلب منها ان تكسر حصار كورونا ان تدعو صديقة لزيارتها وان تذهب لزيارة احدى الصديقات ..اقرر ان اعود الى العمل بشكل تام ..لن امضي يوما واحدا اكثر بين الجدران وخلف جهاز الكمبيوتر ..ساخذ بعين الاعتبار كل الاجراءات الوقائية وامارس حياتي بشكل طبيعي ..سالتقي الاصدقاء وابادل الزملاء في غرفة الاخبار ابتسامة من خلف جدار الكمامة واعود الى المنزل ليلا على امل ان اعود لاخرج نهارا…
اشعر بفائض عاطفة ..استطيع ان اوزع عاطفة على هذا الكون الكئيب…
اتمنى ان نحتفل بانتهاء هذه الجائحة البشعة باحتفالات عناق جماعية عابرة للمسافات ..باحتفال يعيدنا معا الى تقارب اجتماعي في السراء والضراء..بالروح والجسد
حقا اتمنى ان تنتهي هذه الجائحة الى غير رجعة وان نتعلم منها الدرس الاكبر …لا روح للسراء ولا للضراء بعيدا عّن من تحب.

شاهد أيضاً

تحديد آلية عصبية محتملة وراء اضطراب طيف التوحد

أجرى فريق من الباحثين من جامعة Wenzhou الطبية وجامعة Xiamen في الصين، دراسة جديدة تناولت …