
استشهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالمهندس المعماري المجري ماكس هرتس باشا، باعتباره أحد النماذج التي أسهمت في تعزيز العلاقات المصرية المجرية، مشيداً بدوره في ترميم وحفظ عدد من الآثار الإسلامية والقبطية وصون جانب مهم من التراث المعماري التاريخي للقاهرة. وأكد السيسي خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع رئيس الوزراء المجري بيتر ماجار قبل أيام، أن العلاقات بين البلدين تتجاوز التعاون السياسي والاقتصادي لتشمل المجالات الثقافية والمعرفية، مستشهداً بإسهامات هرتس باشا في الحفاظ على التراث المصري.
فمن هو ماكس هرتس باشا؟
وُلد ماكس هرتس عام 1856، ويعد من أبرز الشخصيات التي أسهمت في الحفاظ على التراث المعماري في مصر. وصل إلى البلاد عام 1880، وامتدت مسيرته المهنية فيها لنحو 35 عاماً، كرّس خلالها جهوده لدراسة وترميم وصون الآثار التاريخية.
وفي عام 1890، تولى منصب كبير المهندسين المعماريين في “لجنة حفظ الآثار العربية”، حيث قاد على مدار أكثر من عقدين عمليات واسعة لتوثيق وترميم عدد من أهم المعالم التاريخية في القاهرة. فيما لم تقتصر جهوده على أعمال الصيانة والترميم، إذ ساهم كذلك في إعداد دراسات أثرية وبحثية دقيقة للعناصر الزخرفية والفنية في تلك المواقع.
تطوير المتاحف المصرية
وإلى جانب نشاطه الميداني، لعب هرتس باشا دوراً مهماً في تطوير المؤسسات المتحفية المصرية. فقد تولى مسؤولية متحف الفن العربي عام 1892، ثم عُيّن مديراً له عام 1901، وهو المتحف المعروف حالياً باسم متحف الفن الإسلامي.
وخلال فترة إدارته، عمل على إعادة تنظيم مقتنيات المتحف وتوثيقها علمياً، كما أعد كتالوجاً شاملاً للمجموعات المعروضة، الأمر الذي أسهم في حفظ وتوثيق تطور الفنون والعمارة الإسلامية عبر العصور المختلفة.
إنجازات معمارية وتراثية
كذلك ارتبط اسم هرتس باشا بطراز “إحياء العمارة المملوكية” في مصر، وكان من أبرز أعماله الإشراف على استكمال بناء مسجد الرفاعي بين عامي 1905 و1911. وتميزت أعماله بالجمع بين الدقة العلمية في الترميم واستلهام العناصر الفنية المملوكية في المشروعات المعمارية التي أشرف على تنفيذها وتصميمها.
فيما انتهت مسيرته في مصر عام 1914 مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث غادر البلاد بعد أن ترك إرثاً بارزاً في مجال حماية الآثار الإسلامية والقبطية ، ثم توفي عام 1919 في مدينة زيورخ السويسرية عن عمر ناهز 62 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً معمارياً وعلمياً ما زال حاضراً حتى اليوم.
إنقاذ قلعة قايتباي وترميم آثار تاريخية
وفي هذا الإطار، قالت أستاذة العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة، سهير حواس، أن هرتس باشا لعب دوراً مهماً في الحفاظ على التراث المصري.
كما أوضحت حواس لـ”العربية.نت/الحدث.نت” أن المهندس أسهم في إنقاذ قلعة قايتباي بالإسكندرية خلال فترة شهدت تهديدات طالت القلعة، حيث تعاون مع ضباط الجيش المصري لوقف عمليات الهدم والبدء في ترميمها وإعادتها إلى حالتها الأصلية. وأضافت أنه قام بجهود مماثلة في عدد من المواقع الأثرية الأخرى، وتدرج في المناصب داخل لجنة حفظ الآثار الإسلامية حتى أصبح رئيساً لها. كما حصل على لقب البكوية عام 1895، ثم لقب الباشوية عام 1912، تقديراً لجهوده في خدمة التراث المصري.
كذلك أشارت إلى أنه أشرف على ترميم مسجد السلطان حسن ومسجد قلاوون وعدد كبير من المواقع الإسلامية والتراثية، وشارك في إعداد المتحف القبطي بالتعاون مع سميكة باشا بعد تبرعه بسرايه القديمة لتكون مقراً للمتحف. وأكدت أنه ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمصر خلال سنوات عمله فيها، قبل أن يضطر إلى مغادرتها بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى.
هرتس باشا ضمن موجة من الكفاءات الأوروبية
من جانبه، أوضح أستاذ التاريخ والحضارة ووكيل كلية الآداب بجامعة عين شمس سابقاً، طارق منصور، أن مصر استقبلت خلال النصف الأول من القرن العشرين أعداداً كبيرة من الكفاءات الأوروبية، خاصة من دول أوروبا الشرقية، وأصبحت موطناً لعدد من الجاليات التي أسهمت في مختلف مجالات الحياة المصرية.
وأشار منصور لـ”العربية.نت/الحدث.نت” إلى أن تأثير هؤلاء ظهر بوضوح في عمارات وسط القاهرة الخديوية، حيث كان للمهندسين الأوروبيين، وخصوصاً الإيطاليين والمجريين وبعض النمساويين، دور بارز في تشييد العمارة الحديثة في مصر وإضفاء طابعها الجمالي المميز.
كما أكد أن هرتس باشا يمثل نموذجاً بارزاً لهذه الإسهامات، مشيراً إلى أن ذكره في خطاب السيسي يعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر والمجر، ودوره الكبير في ترميم الآثار الإسلامية والقبطية والحفاظ عليها.
المصدر: العربية
Up And Down Beirut