المسارات الطبيعية جسور تواصل إنساني وثقافي بين كندا ولبنان

أبصرت جمعية ’’درب الجبل اللبناني‘‘ (LMTA) النور في لبنان عام 2007، قبل أن تتأسس في كندا عام 2016، جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘ (CFLMT). لتشكّل امتدادا لرسالة الجمعية الأم وجسرا يربط أبناء الانتشار بوطنهم الأم من خلال الطبيعة والتراث والثقافة.

 

في لبنان كما في كندا، تشكّل النزهات الجبلية ومسارات المشي الطويلة فرصة لاكتشاف الطبيعة والتواصل مع المكان وتاريخه. وإذا كانت أنشطة المشي المرتبطة بهذه المبادرات تتركز حاليا، في كندا، بصورة خاصة في مقاطعتي أونتاريو وكيبيك، فإن ’’درب الجبل اللبناني‘‘ يمتد لأكثر من 450 كيلومترا، من شمال لبنان إلى جنوبه، فضلا عن نحو 150 كيلومترا من المسارات الفرعية.

جانب من منتزه بانف الوطني الذي يقع في مقاطعة ألبرتا ضمن سلسلة جبال روكي الكندية، والذي يجذب عشاق المشي لمسافات طويلة من كل أقطاب الأرض.

جانب من منتزه بانف الوطني الذي يقع في مقاطعة ألبرتا ضمن سلسلة جبال روكي الكندية، والذي يجذب عشاق المشي لمسافات طويلة من كل أقطاب الأرض.

يعبر الدرب نحو 80 قرية وبلدة لبنانية، انطلاقا من عندقت في عكار شمالا وصولا إلى مرجعيون جنوبا. ويتألف من 27 قسما، يتراوح طول الواحد منها بين 10 و15 كيلومترا، ما يتيح اجتيازه كاملا خلال 27 يوما من المشي.

 

لكن هذه الرحلة لا تقتصر على اكتشاف المناظر الطبيعية، بل تتجاوزها إلى استعادة الصلة بالجذور والتعرّف إلى الذاكرة الثقافية والاجتماعية للقرى اللبنانية. وهذا تحديدًا ما اختبرته ميراي ملكات، الكندية من أصول لبنانية والمنتمية إلى الجيل الاغترابي الثالث، التي وجدت في عبور الدرب فرصة للتواصل العميق مع جذورها.

 

’’على خطى أجدادي‘‘

في السادس من نيسان/أبريل 2023، انطلقت ميراي ملكات في رحلة استكشاف الطبيعة اللبنانية، لتختتمها في الخامس من أيار/مايو، بعدما أمضت شهرا كاملا في اجتياز المسار الوطني، البالغ طوله نحو 450 كيلومترا.

ميراي ملكات خلال عبورها القسم 22 في درب الجبل اللبناني، وهو يقع بين بلدتي عيتنيت وجزين في جنوب لبنان، 10 نيسان /أبريل 2023.

ميراي ملكات: ’’ينصب اهتمامي البحثي في رسالة الدكتوراه في علم الاجتماع في جامعة ماكغيل في مونتريال على تجارب التواصل مع الطبيعة والمكان لدى الأشخاص المهاجرين الذين يعيشون في ظروف من الهشاشة وعدم الاستقرار‘‘.

أملك شغفا كبيرا للمشي لمسافات طويلة واستكشاف الطبيعة وأنشطة الهواء الطلق. اجتياز درب الجبل اللبناني برز في قائمة أمنياتي في ذكرى مولدي الثلاثين كتجربة أطمح لخوضها مرة واحدة في حياتي. فكانت التجربة الأبرز والأكثر تأثيرا في مسيرتي. ومن أكثر المشاهد التي تركت أثرا عميقا في نفسي كانت الوادي المقدس في قاديشا وغابة أرز الرب وشلالات بالوع بلعا وكلها في شمال لبنان.

نقلا عن ميراي ملكات، كندية لبنانية من الجيل الاغترابي الثالث

تشير ملكات إلى أن لبنان يتميز بتنوع لافت في تضاريسه ومشاهده الطبيعية الأخاذة، من الجبال المكللة بالثلوج والتكوينات الصخرية إلى غابات الصنوبر وصولا إلى الحقول التي تكتسي في الربيع بألوان الأزهار البرية.

ميراي ملكات في القسم 11 من درب الجبل اللبناني، الذي يقع بين بلدتيْ أفقا والعاقورة في قضاء جبيل في وسط لبنان: ’’خلال اجتيازي درب الجبل اللبناني، رأيت أجمل ما في لبنان‘‘.

ميراي ملكات في القسم 11 من درب الجبل اللبناني، الذي يقع بين بلدتيْ أفقا والعاقورة في قضاء جبيل في وسط لبنان: ’’خلال اجتيازي درب الجبل اللبناني، رأيت أجمل ما في لبنان‘‘.

ولم تكن الرحلة بالنسبة إليها مجرّد مسيرة بين الجبال والوديان، بل فرصة للسير على خطى الأجداد والتعرّف إلى الناس الذين يسكنون القرى التي يعبرها الدرب. وتقول إن ما ترك أثرا خاصا في ذاكرتها هو ’’كرم الضيافة وحسن الاستقبال‘‘ اللذان لمستهما لدى أبناء تلك المناطق.

 

وتروي: ’’لا تزال القصص التي تناقلها المرشدون السياحيون وسائر المشاركين في الرحلة حاضرة في ذاكرتي. وما زلت أستعيد نسيم الجبال العليل، ونكهة الأطباق التقليدية الشهية في القرى اللبنانية، والأشجار المعمّرة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، فضلًا عن الآثار والشواهد التاريخية التي صادفناها على امتداد الدرب‘‘.

 

أما ما ميّز التجربة، فكان ذلك التبدّل المستمر في المشاهد، حتى إن الانتقال من نقطة إلى أخرى كان كفيلا بالكشف عن لوحة طبيعية جديدة. وتقول ملكات: ’’كان يكفي أن أمشي بضع خطوات لأجد نفسي أمام مشهد مختلف. وفي بعض النقاط المرتفعة، عند قمم الجبال، كان بإمكاني التأمل في البحر الأبيض المتوسط‘‘.

يعبر المسار الوطني أيضا في جرد العاقورة، الواقع في أعالي قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان، ويعتبر قبلة عشاق المشي في المسارات الطبيعية لكونه أحد أبرز وأجمل المناطق الجبلية المرتفعة في لبنان.

يعبر المسار الوطني أيضا في جرد العاقورة، الواقع في أعالي قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان، ويعتبر قبلة عشاق المشي في المسارات الطبيعية لكونه أحد أبرز وأجمل المناطق الجبلية المرتفعة في لبنان.

دربٌ يحمي التراث وينمّي المجتمعات المحلية

يؤكد عمر صقر، رئيس جمعية ’’درب الجبل اللبناني‘‘، أن الجمعية تتولى الجوانب اللوجستية المرتبطة برحلات المشي، من نقل الأمتعة وتأمين الوجبات وأماكن الإقامة، إلى الاستعانة بمرشدين محليين. ويساعد هذا التنظيم المشاركين على التحرر من أعباء الترتيبات العملية، والتفرغ للاستمتاع بالرحلة واكتشاف الطبيعة وما تختزنه القرى من إرث ثقافي وتاريخي.

 

ويلخّص صقر رسالة الجمعية في ثلاثة أهداف رئيسية: الحفاظ على الإرث الثقافي والطبيعي للدرب الوطني، وتوفير مقومات صيانته وتطويره وإدارته والترويج له، إلى جانب الإسهام في تنمية المجتمعات المحلية الواقعة على امتداده.

 

ويعوّل صقر على تفاعل أبناء الانتشار اللبناني مع أنشطة الجمعية، مشيدا بالدور الذي تؤديه جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘ في دعم المبادرة والتعريف بها خارج لبنان، وتوفير المساندة على مستويات متعددة.

 

وفي عام 2023، أتيحت له فرصة المشاركة في المؤتمر العالمي للمسارات الطبيعية، الذي انعقد في العاصمة الكندية أوتاوا. وخلال العام ذاته، شارك في نزهة داخل حديقة جبل أُرفورد الوطنية، الواقعة جنوب مونتريال، نظّمتها الجمعية الكندية.

يندرج دور عمر صقر كرئيس لـ ’’درب الجبل اللبناني‘‘ بالتوازي مع عمله أستاذا محاضرا في السياحة وإدارة الشركات السياحية في جامعة سيدة اللويزة في لبنان.

يندرج دور عمر صقر كرئيس لـ ’’درب الجبل اللبناني‘‘ بالتوازي مع عمله أستاذا محاضرا في السياحة وإدارة الشركات السياحية في جامعة سيدة اللويزة في لبنان.

 

تختلف المسارات بين كندا ولبنان، باختلاف طبيعة البلدين ومناخهما. ففي كندا، تمتد الغابات على مساحات شاسعة، وقد يسير المرء مسافات طويلة من دون أن يلحظ تغيّرا كبيرا في المشهد. أما في لبنان، فيتسم التنوع الطبيعي والبيولوجي بكثافة لافتة، وتتبدل المناظر من قرية إلى أخرى ومن قضاء إلى آخر.

نقلا عن عمر صقر، رئيس ’’درب الجبل اللبناني‘‘

ويقول المتحدث بأن التوأمة مع كندا، وكذلك مع البلدان التي ينتشر فيها اللبنانيون، تهدف أساسا إلى التعريف بـ’’درب الجبل اللبناني‘‘ وتشجيع أبناء الانتشار على زيارة وطنهم الأم والسير في مساراته.

 

ويضيف: ’’نسعى إلى إتاحة الفرصة أمام أبناء الانتشار لاكتشاف طبيعة لبنان وثقافة سكانه في الأرياف، والمساهمة في تنشيط الدورة الاقتصادية في تلك المناطق. فدرب الجبل يتيح أيضا التعرّف إلى جذور كثير من اللبنانيين الذين عاش آباؤهم في القرى الريفية، وتنقّلوا سيرا على الأقدام من ضيعة إلى أخرى.

 

’’من يمشي في دروب بلده، يحب بلده‘‘

في عام 2023 أيضا، انضم بيار عازار إلى جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘، التي يتولى رئاستها حاليا.

المتخصص في البرمجيات الكندي اللبناني بيار عازار، رئيس جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘.

المتخصص في البرمجيات، ابن الحياة الكشفية، الكندي اللبناني بيار عازار، رئيس جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘.

ويشير عازار إلى أن الإحصاءات المتوافرة لديهم تُظهر محدودية مشاركة الكنديين من أصول لبنانية في أنشطة التنزه والمشي لمسافات طويلة. ومن هنا، تعمل الجمعية على تشجيعهم على الانخراط في هذه الأنشطة، سواء من خلال المسارات التي تنظّمها في كندا أو عبر الرحلات التي تنظمها الجمعية الأم في لبنان.

 

ويضع عازار خبرته في مجال تكنولوجيا المعلومات في خدمة هذه الرسالة، من خلال تطوير المنصات والتطبيقات الإلكترونية وشبكات الإنترنت، بما يسهم في توسيع نطاق التعريف بالأنشطة وتسهيل مشاركة الراغبين فيها.

 

أنشأنا خريطة جديدة تتيح للكنديين من أصول لبنانية الاطلاع على الفعاليات التي تُنظّم في وطنهم الأم، والتخطيط لرحلاتهم إلى لبنان على هذا الأساس، إذا رغبوا في المشاركة في أنشطتنا. كما نوفر لهم المعلومات اللازمة ووسائل التواصل مع المرشدين المحليين وأصحاب البيوت الذين يستقبلون المشاركين في رحلات المشي الجبلي. كل هذه المعلومات متاحة عبر الخريطة.

نقلا عن بيار عازار، رئيس جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘

يُعود عازار إلى جذور المبادرة عام 2007، حين أطلق الأميركي من أصول لبنانية جوزف كرم جمعية ’’درب الجبل اللبناني‘‘، مستلهما تجربة ’’مسار بروس‘‘ الكندي (Bruce Trail)، أحد أشهر مسارات المشي الطويلة في كندا.

رجل يمشي على الثلوج في مسار بروس في مقاطعة أونتاريو في وسط البلاد.

رجل يمشي على الثلوج في مسار بروس في مقاطعة أونتاريو في وسط البلاد.

يمتد مسار بروس لأكثر من 900 كيلومتر، فضلا عن أكثر من 450 كيلومترا من المسارات الفرعية، ويقع بكامله في مقاطعة أونتاريو، من منطقة قريبة من شلالات نياغرا وصولا إلى شبه جزيرة بروس. ويتميّز بغاباته الكثيفة ومنحدراته الصخرية وشلالاته وإطلالاته الطبيعية على البحيرات.

 

ويرى عازار أن الفارق بين المسارين يعكس الاختلاف في طبيعة البلدين ومساحتيهما الجغرافيتين، موضحا: ’’لبنان أصغر مساحة، وقراه قريبة من المسارات الطبيعية ومتداخلة معها، بينما تمتد مساحات شاسعة على طول مسار بروس، وتبقى أجزاء كبيرة منها غير مأهولة‘‘.

 

جذورٌ تمتد عبر الأجيال

تُعدّ ميراي ملكات واحدة من نحو 600 عضو ينتمون، بصورة تطوعية، إلى جمعية ’’أصدقاء درب الجبل اللبناني الكنديين‘‘ غير الربحية. وبالنسبة إليها، لم يكن ارتباطها بلبنان وليد رحلة المشي، بل امتدادا لعلاقة عائلية وثقافية تشكّلت منذ طفولتها.

 

تقول: ’’نشأت بالقرب من جدتي اللبنانية، الـ’’تيتا‘‘ كما نناديها في عاميتنا، وكانت حاضرة باستمرار في تفاصيل حياتي اليومية. وقد أسهم ذلك في ترسيخ ارتباطي بلبنان، بأطباقه التقليدية وموسيقاه وتاريخه ولغته ومناظره الطبيعية‘‘.

الدرب الجيولوجي في محمية أرز جاج هو أول درب جيولوجي يتم إطلاقه في لبنان، الذي يسلط الضوء على الثروة الطبيعية والجيولوجية الفريدة في لبنان.

الدرب الجيولوجي في محمية أرز جاج هو أول درب جيولوجي يتم إطلاقه في لبنان، الذي يسلط الضوء على الثروة الطبيعية والجيولوجية الفريدة في لبنان.

ومن هذا الارتباط، نشأت رغبتها في المساهمة في جمع أشخاص يتشاركون الشغف بالمشي في الطبيعة، إلى جانب المشاركة في إعداد الرحلات وتوجيه الراغبين في زيارة لبنان لخوض تجربة السير على درب الجبل اللبناني، وتشجيعهم على اكتشافه بأنفسهم.

 

وهكذا، يتجاوز الدرب كونه مسارا جبليا يعبر القرى والوديان، ليصبح مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وتتقاطع فيها الطبيعة مع الذاكرة والهوية. فمن خلال خطوات المشي، يكتشف أبناء الانتشار اللبناني وطن أجدادهم عن قرب، فيما تتاح للمجتمعات المحلية فرصة مشاركة تراثها والاستفادة من النشاط السياحي والاقتصادي الذي يولّده.

 

وبين دروب لبنان ومسارات كندا، تنسج المبادرتان علاقة تتجاوز الحدود الجغرافية، وتؤكدان أن الطريق إلى الجذور قد يبدأ أحيانا بخطوة في الطبيعة، لكنه يقود إلى تواصل أعمق مع الإنسان والمكان والتاريخ.

شاهد أيضاً

فعاليات اليوم التاسع لمعرض بيروت للكتاب: مئوية غسان تويني وحماية الإرث الثقافي وإنهيار الأصوليات

وطنية – تواصلت فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ67،في يومه التاسع وقبل …