معرض بيروت للكتاب: انفتاح ثقافي في زمن القراءة الرقمية

للمرة الأولى، يجتمع الكتاب العربي والفرنكوفوني في مساحة واحدة ضمن الدورة الـ67 من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، بالتزامن مع مسعى وزارة الثقافة لتوحيد معارض الكتاب في لبنان. وفي وقت تتسارع فيه الرقمنة وتتغير معها طرق اكتشاف المحتوى وقراءته، لا تزال تجربة الزائر داخل المعرض بعيدة نسبيًا عن هذا التحول، ما يطرح سؤالًا حول مدى مواكبته للقارئ الجديد.

 

تقام الدورة بين 9 و18 تشرين الأول 2026 في مركز “سي سايد آرينا” على واجهة بيروت البحرية، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وتنظيم “النادي الثقافي العربي” و”نقابة اتحاد الناشرين في لبنان”، بمشاركة 23 دار نشر عربية، ويشارك في برنامجها نحو 280 كاتبًا وباحثًا وشخصية فكرية وأدبية.

 

ويشارك برنامج “بيروت كتب 2026″، الذي ينظمه المعهد الفرنسي في لبنان، ضمن الدورة الحالية، بأكثر من 40 كاتبًا وفنانًا من تسع دول، عبر لقاءات وقراءات وحوارات وتواقيع وأنشطة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.

 

وفي حديث خاص لموقع “لبنان الكبير”، تقول رئيسة “النادي الثقافي العربي” سلوى السنيورة بعاصيري إن قرار المعهد الفرنسي عرض الكتب الفرنكوفونية في المعرض هذه السنة جاء انطلاقًا من قناعة بأن المعرض “منصة مهمة ومتابعة وداعمة”، مشيرة إلى أن المشاركة تفتح المجال أمام حضور أوسع للثقافة الفرنكوفونية إلى جانب العربية.

 

وترى بعاصيري أن جمع الكتاب العربي والفرنكوفوني في مكان واحد يوسّع المشاركة الثقافية، لافتة إلى أن افتتاح الدورة سيكون جامعًا لمختلف المناطق والأطراف اللبنانية دعمًا للمصلحة العامة. وتعتبر أن الغاية الأساسية من هذا الجهد الثقافي هي “جعل الفرد مثقفًا”، في ظل تبدّل طرق الوصول إلى المعرفة.

 

وعن تغير عادات الجمهور، تقول بعاصيري: “سيبقى هناك فريق يقرأ دائمًا وفريق يهمه مواقع التواصل الاجتماعي”، في إشارة إلى اختلاف طرق تعامل الجمهور مع الكتاب والمحتوى مع انتشار المنصات الرقمية.

 

وهنا تبرز الرقمنة كأحد الاختبارات أمام المعرض لمواكبة هذا التغير. فالبرنامج يتضمن ندوات تتناول التحول الرقمي ودور الذكاء الاصطناعي في المكتبات والمعرفة، لكن حضور التكنولوجيا لا يبدو بالوضوح نفسه في تجربة الزائر. وبحسب المعلومات المنشورة رسميًا للدورة الحالية، لا تظهر منصة رقمية مخصصة تساعد على البحث عن الكتب أو اكتشافها إلكترونيًا، كما لا تبرز مساحة مخصصة للكتب الرقمية.

 

وترتبط هذه الملاحظة بتحول أوسع يشهده قطاع النشر، يربطه وزير الثقافة غسان سلامة بتغيّر عادات القراءة والضغوط الاقتصادية المحيطة بصناعة النشر. ويرى سلامة أن التحدي لا يرتبط بتراجع القراءة بقدر ما يرتبط بتغيّر شكلها، موضحًا أن التطورات التكنولوجية نقلت القارئ من “القراءة الطويلة والمركّزة والورقية” إلى قراءة “قصيرة، متقطعة ومرقمنة”. ويشير في الوقت نفسه إلى ضغوط أخرى، من تراجع القدرة الشرائية إلى قرصنة الكتب وضيق السوق اللبنانية، ما يدفع الناشرين إلى البحث عن أسواق خارجية.

 

وبالتوازي مع هذا النقاش، يعكس برنامج المعرض مقاربة أوسع للكتاب والثقافة، تتجاوز عرض الإصدارات إلى تناول قضايا التاريخ والسياسة والاقتصاد والفنون والتعليم والذكاء الاصطناعي. كما تشمل الموضوعات الرواية والشعر والمسرح والأدب، إلى جانب حفلات توقيع وإطلاق كتب وأمسيات شعرية وموسيقية، بمشاركة أسماء من بينها واسيني الأعرج ورشيد الضعيف وريما خشيش وعادل كرم.

 

ولا يقتصر هذا التنوع على مضمون الكتب، بل يمتد إلى طريقة صناعتها وتقديمها. وتضيء إحدى مساحات المعرض على تاريخ الطباعة وفرز الألوان والتجليد وتصميم الحروف والأغلفة، فيما تشارك سبع جامعات لديها برامج في الفنون الغرافيكية بعرض تصاميم أغلفة أنجزها طلابها، في مساحة تربط التدريب الأكاديمي بالمسار المهني.

 

ومن صناعة الكتاب إلى الذاكرة الثقافية، يفتح البرنامج مساحة للتراث اللبناني، من خلال نقاشات حول مواقع أثرية وتراثية تضررت أو فُقدت في جنوب لبنان خلال الحرب الأخيرة، في مقاربة تربط حماية التراث بالحفاظ على الذاكرة الثقافية. ويتضمن أيضًا تحيات ووقفات عند عدد من القامات الفكرية والفنية اللبنانية، من بينها غسان تويني في مئويته، والشيخ صبحي الصالح في مئويته، والفنان أحمد قعبور، إضافة إلى أمين الريحاني وشوشو.

 

إلا أن هذا التنوع الثقافي لا يلغي التحديات الاقتصادية التي تحيط بسوق الكتاب وتؤثر مباشرة في قدرة القارئ على الوصول إليه. فارتفاع أسعار الكتب وتراجع القدرة الشرائية يجعلان الكتاب أقل سهولة في متناول الشباب والطلاب، بينما ينافس المحتوى الرقمي الكتاب الورقي على وقت القارئ وميزانيته. ويضاف إلى ذلك استمرار قرصنة الكتب وضيق السوق المحلية، ما يدفع الناشرين إلى البحث عن أسواق عربية ودولية أوسع.

 

أما الدورة الـ67، فتجمع إلى جانب الكتاب العربي والفرنكوفوني حضور الجامعات والفنون والتكنولوجيا، لكنها تترك سؤالًا حول المسافة بين النقاش عن مستقبل الكتاب وتجربة القارئ داخله. فمواكبة القارئ الجديد لا تتعلق فقط بما يوضع على الرفوف، بل بكيفية اكتشاف الكتاب والوصول إليه، في وقت أصبحت فيه الأدوات الرقمية جزءًا أساسيًا من يومه.

 

شاهد أيضاً

الجامعة الأميركيّة في بيروت تجمع كُتّابًا وباحثين عربا في الدورة ال 67 من معرض بيروت العربيّ الدولي

وطنية – أعلنت الجامعة الميركية في بيروت، في بيان، ان “كرسيّ الشيخ زايد بن سلطان …