
في إحدى مدارس المحلة الكبرى بالغربية، صوّر طالب معلمته خلال الشرح داخل الفصل، ثم نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الفور اتخذت المدرسة وقتها إجراءً تأديبيًا بفصل الطالب أسبوعًا، واستدعاء ولي أمره، قبل أن يظهر الطالب ووالده في طابور الصباح لتقديم اعتذار للمعلمة أمام الطلاب والمعلمين، ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، إذ جرى تداول فيديو آخر يوثق لحظة الاعتذار نفسها، لتبدأ الجهات التعليمية في فحص ملابسات الواقعة والإجراءات التي اتخذتها المدرسة.
بعد هذه النوعية من الوقائع، جاء توجيه وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، ليضع التصوير داخل المدرسة، عندما يتعلق بالمعلمين، أمام قاعدة عقابية أكثر صرامة.
الوزارة وجهت جميع المدارس بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل على الطالب الذي يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير أحد المعلمين داخل المدرسة، إذا كان الهدف من التصوير الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك وفقًا للقرار الوزاري رقم 150 لسنة 2024 بشأن لائحة التحفيز والانضباط المدرسي.
وبذلك، لم يعد الهاتف أو الكاميرا مجرد وسيلة يحملها الطالب داخل المدرسة، وإنما أصبح استخدامهما في بعض الحالات جزءًا من المخالفة التي قد تقود إلى إبعاده عن المدرسة لمدة عام كامل.
ماذا لو لم يكن الهدف هو الإساءة؟
ثمة منطقة أكثر حساسية في القرار، فبينما لا يبدو الخلاف كبيرًا حول رفض تصوير المعلم بغرض السخرية منه أو التنمر عليه أو تحويله إلى مادة للانتشار على مواقع التواصل، يطرح أولياء أمور سؤالًا آخر “ماذا لو كان الطالب يصور واقعة يعتقد أنها مخالفة داخل المدرسة؟” وماذا لو كان الهدف من التصوير توثيق موقف يرى أنه تعرض فيه للإهانة أو لتجاوز من أحد العاملين؟.
رودي نبيل، إحدى أولياء الأمور، ترى أن التعامل مع الواقعة يحتاج النظر إلى تفاصيلها قبل الحكم عليها، متسائلة: ماذا صوّر الطالب؟ ولماذا صوّر؟ وأين ذهبت المادة المصورة؟، وتؤكد على أن هناك فارقًا بين طالب يستخدم الكاميرا للسخرية من معلمه أو التشهير به، وطالب يحاول توثيق واقعة يعتقد أنه تعرض فيها لتجاوز، معتبرة أن الفصل بين الحالتين مهم قبل توقيع عقوبة بهذا الحجم.
وتضيف أن الحفاظ على كرامة المعلم وهيبة المدرسة أمر لا خلاف عليه، لكن تطبيق العقوبة، من وجهة نظرها، يحتاج إلى تحقيق دقيق يحدد القصد من التصوير وما حدث للمادة المصورة بعد ذلك.
المدرسة في الأساس مكان للتعليم
في المقابل، تؤيد منى أبو غالب القرار، معتبرة أن المدرسة في الأساس مكان للتعليم، وأن تحول الطلاب إلى صناعة المحتوى وملاحقة «التريند» أصبح ظاهرة تستحق المواجهة، لكنها في الوقت نفسه لا ترى أن منع التصوير ينبغي أن يعني حرمان الطالب من وسيلة يمكن أن يستخدمها في توثيق واقعة يتعرض فيها لظلم أو تجاوز.
وتقول إن حماية المعلم لا ينبغي أن تعني إهدار حق الطالب، والعكس صحيح؛ فالمطلوب، من وجهة نظرها، هو الوصول إلى القرار الذي يحمي الطرفين.
أما فاتن أحمد، فتذهب إلى موقف أكثر عمقا تجاه التصوير داخل المدارس، متمنية أن يتوقف التصوير في مختلف الأماكن، وألا تتحول الهواتف إلى وسيلة دائمة لتصوير الوقائع والإشارة إلى الجهات الرسمية عبر مواقع التواصل، خاصة أن هناك بعض الأحيان التي يتم تصوير نصف الواقعة لإدانة أحدهم زورًا.
الهاتف نفسه.. قصة أخرى
وبحسب ما أشارت إليه مصادر مطلعة على قواعد الانضباط المدرسي، فإن التعامل مع الهاتف المحمول داخل المدرسة ليس جديدًا، إذ توجد ضوابط سابقة تتعلق بحيازته واستخدامه، وقد يصل الأمر عند ضبطه مع الطالب إلى التحفظ عليه واستدعاء ولي الأمر واتخاذ الإجراءات المقررة بحسب طبيعة المخالفة.
أما إذا ارتبط الأمر بواقعة تستدعي تحقيقًا، فيمكن أن يصبح الهاتف نفسه جزءًا من إجراءات الفحص والتحقيق من جانب الجهات المختصة، وهنا يصبح السؤال ليس فقط: هل صوّر الطالب، وإنما: ماذا صوّر؟ ولماذا؟ وكيف استخدم ما صوّره؟.
بين هيبة المعلم وحق الطالب
وفقًا لمصادر تعليمية، فإن القرار الوزاري ينطلق من هدف واضح، حماية المعلم من التصوير الذي يتحول إلى أداة للإساءة أو التنمر أو التشهير، ومنع الفصل الدراسي من التحول إلى مساحة مفتوحة لصناعة محتوى مواقع التواصل، لكن التطبيق العملي يضع المدارس أمام مسؤولية أكبر؛ فالفارق بين “التوثيق” و”الإساءة” لا تحدده الكاميرا وحدها، وإنما سياق الواقعة والقصد من التصوير وما جرى بالمادة المصورة بعد ذلك.
ولهذا، فإن العقوبة لا تتعلق في النهاية بمجرد وجود صورة أو فيديو، كما يوضح المصدر، وإنما بالواقعة التي أنتجتهما والهدف من استخدامهما، فالمدرسة مطالبة بحماية هيبة المعلم، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بسماع الطالب والتحقق من ملابسات ما حدث.
والعقوبة مهما كانت ضرورتها لضبط السلوك، لا تنفصل عن سؤال تربوي أكبر: ماذا نريد أن يتعلم الطالب من العقوبة؟، حيث يؤكد المصدر، أنه إذا ثبت أن التصوير كان بهدف التنمر أو السخرية أو التشهير، فإن الردع يصبح جزءًا من حماية البيئة التعليمية. أما إذا كان التصوير مرتبطًا بادعاء بوجود مخالفة أو تجاوز، فهنا تبرز أهمية التحقيق والتأكد من الوقائع قبل مساواة الحالات المختلفة ببعضها.
أستاذ علم النفس التربوي: التحدي في “كيفية تطبيق” قرار فصل الطالب بسبب تصوير المعلم
ويرى الدكتور عاصم عبد المجيد حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن القرار يمثل خطوة لحماية كرامة المعلم والحد من التنمر الإلكتروني وتحويل المواقف داخل الفصول إلى محتوى للتريند، كما يضع ضوابط واضحة لاستخدام الهواتف والتصوير داخل المدرسة.
لكن “حجازي” يؤكد أن الأهم هو كيفية تطبيق القرار، موضحًا أن التصوير في حد ذاته لا يعني بالضرورة الإساءة أو التنمر، لذلك يجب النظر إلى هدف الطالب: هل صوّر بهدف السخرية والتشهير والنشر، أم كان يحاول توثيق واقعة يعتقد أنه تعرض فيها لتجاوز؟
ويشير إلى أن الفصل عامًا دراسيًا كاملًا عقوبة شديدة الأثر على الطالب، ولذلك يجب أن يسبق تطبيقها تحقيق دقيق في ملابسات كل واقعة، مع إتاحة حق التظلم، وألا يقتصر التعامل على العقاب، بل يمتد إلى تقويم سلوك الطالب وتعليمه الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ويشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين حق المعلم في الكرامة والخصوصية وحق الطالب في الحماية والإبلاغ عن أي تجاوز، بحيث يفرق التطبيق بين التصوير بهدف الإساءة والتشهير، والتوثيق بهدف الإبلاغ عن مخالفة.
المصدر: القاهرة 24
Up And Down Beirut