
تختلف قصص الهجرة إلى كندا باختلاف تجارب المهاجرين. فمنهم من يأتي ويستقر في بلده الجديد دون التفكير في العودة إلى بلده الأصلي. ومنهم من يعود أدراجه بسبب الواقع الذي يختلف كليّا عما كان يحلم به.
محمد الديدموني، مصري الأصل، أمضى عشرين عامًا في المملكة العربية السعودية كمنتج تنفيذي ومصور في مجال الإعلام قبل أن يهاجر إلى كندا عام 2019 ، وفي حديث مع راديو كندا الدولي، قال إنه ’’سمعة كندا العالمية المرموقة في جودة التعليم، ومستوى المعيشة المرتفع، واحترام حقوق الإنسان‘‘ جذبته إلى هذا البلد فقرر الهجرة إليه.
فبعد رحلة استكشافية في عام 2018 شملت عدة مدن مثل مونتريال وتورنتو وكالغاري، استقر في فانكوفر ، وأوضح أنّ ذلك ’’كان أساسا بسبب مناخها المعتدل، الذي يُعدّ أكثر ملاءمةً لسكان الشرق الأوسط من قسوة شتاء بقية أنحاء البلاد.‘‘
وحرصًا منه على عدم زعزعة استقرار عائلته بأكملها – زوجته وأبنائه الأربعة – استقر محمد الديدموني في البداية مع ابنه الأكبر فقط، والذي كان يبلغ من العمر آنذاك 17 عاما.
بعد سبع سنوات قضاها في فانكوفر، سيغادر محمد الديداموني كندا ليستقر مؤقتا في المملكة العربية السعودية.
وأضاف أنّ المرحلة الأولى جرت في ظل ’’ظروف بالغة الصعوبة تمثلت في جائحة كوفيد-19، والتي اتسمت بإجراءات إغلاق صارمة.‘‘ وبمجرد انحسار الأزمة الصحية، انضم إليه بقية أفراد عائلته، واستقروا في فانكوفر.
وقال إنه ’’رغم حبه الشديد للمناظر الطبيعية والبحيرات وجمال فانكوفر‘‘، سرعان ما ألقت العقبات الاقتصادية والمهنية بظلالها على مغامرته الكندية ، وبعد سبع سنوات من وصوله، قرار مغادرة كندا والعودة إلى المملكة العربية السعودية عازياً ذلك إلى عوامل مالية واندماجية.
ووفقا له، ’’أدى ارتفاع تكلفة المعيشة في فانكوفر بشكل كبير، لا سيما فيما يتعلق بالسكن (سواء كان إيجارا أو شراءً)، إلى ضغط مالي مستمر على الأسرة.‘‘ ومع استمرار ارتفاع النفقات اليومية، ظل دخله ثابتا، مما دفعه إلى ’’إعادة النظر في جدوى الهجرة‘‘، كما قال.
وحتى اندماجه المهني لم يكلّل بالنجاح فعلى الرغم من خبرته الواسعة التي امتدت لعقدين من الزمن في الإنتاج الإعلامي في المملكة العربية السعودية، واجه محمد الديدموني عقبة ’’الخبرة الكندية‘‘ المطلوبة عادة.

تشير دراسة لهيئة الإحصاء الكندية إلى أن الهجرة العكسية للمهاجرين تكون مرتفعة بشكل خاص خلال فترة ثلاث إلى سبع سنوات بعد وصولهم.
ويرى أنّه ’’نظرا لاعتماد هذا القطاع بشكل كبير على العلاقات الشخصية‘‘، واجه صعوبة بالغة في دخوله ، وقال إنّ منظمات دعم التوظيف في بريتيش كلومبيا ، مثل (WorkBC)، لم تفلح في توظيفه في مجاله.
ولإعالة أسرته الكبيرة، اضطر لقبول أي وظيفة متاحة، مما أبعده أكثر عن شغفه المهني، كما أكّد في حديثه.
لم يدمجني المجتمع الكندي بشكل كامل بسبب سني وانعدام ’التجربة الكندية‘ في سيرتي المهنية. عملت في السعودية لمدة عشرين عامًا كمصور ومنتج تنفيذي، لكنّي في كندا اضطررت للعمل في أي وظيفة متاحة واتباع مسار فُرض عليّ للأسف.
ولمواجهة العزلة الاجتماعية التي يُعاني منها الوافدون الجدد، أسس هذا الأخير ’’النادي العربي في فانكوفر‘‘ ، وكان هدف النادي، الذي استمر نشاطه لثلاث سنوات، إلى ’’توفير مساحة للدعم الثقافي والاجتماعي والرياضي لمساعدة العائلات المهاجرة على الاندماج مع الحفاظ على هويتها‘‘.
وأكّد أن هذه المبادرة اجتذبت ما يقارب ألف عائلة ، ونظرا لنقص الدعم الحكومي لهيكلة المنظمة وتطويرها مهنيا، ولأنه لم يعد قادرا على إدارتها تطوعا، اضطر إلى تعليق أنشطة النادي العام الماضي.
قام محمد الديدموني بالتعاون مع النادي العربي في فانكوفر بتنظيم رحلات مشي على مسارات الجبال في مقاطعة بريتيش كولومبيا . (أرشيف)
وهو الآن يستعد للعودة إلى المملكة العربية السعودية لفترة تجريبية تتراوح بين ستة أشهر وسنة لاستكشاف آفاقه المهنية ، وعلى عكس مغادرته الخليج عام 2019، حيث باع أعماله ومعداته، أكّد محمد الديدموني أنه لن يقطع علاقاته مع كندا حيث سيترك عائلته في فانكوفر.
وقال إن قراره أثر على طفليه الأصغر سنا، البالغين من العمر 11 و14 عاما، فهما ’’يكنّان حبا كبيرا لكندا، ولهم أصدقاء كثر‘‘ ، أما ابناه الأكبر سنا، سيواصلان دراستهما الجامعية في بريتيش كولومبيا.
وبمغادرته كندا ولو مؤقتا بسبب واجب توفير احتياجات أسرته المادية، فهو حزين لفراق عائلته ’’المتجذرة في وطنها الجديد‘‘.
الهجرة العكسية
وفقا لدراسة نشرتها هيئة الإحصاء الكندية في 2 فبراير/شباط 2024، تحت عنوان ’’هجرة المهاجرين‘‘ الوافدين بين 1982 و2017)، فإن 5,1٪ من المهاجرين خلال هذه الفترة غادروا كندا في السنوات الخمس التالية لوصولهم. وتبلغ هذه النسبة 17,5% بعد 20 سنة من وصولهم.
وتشير الدراسة أيضا إلى أن الهجرة العكسية للمهاجرين تكون مرتفعة بشكل خاص خلال فترة ثلاث إلى سبع سنوات بعد وصولهم.
النادي العربي في فانكوفر الذي أسسه محمد اليدموني شارك في مسابقة ’’أود بول فول كلاسيك‘‘ (Oddball Fall Classic) لِقوارب التنين. سبتمبر/أيلول 2023.
وحسب الدراسة، تتوافق هذه الفترات الزمنية مع السنوات التي يحتاجها الوافدون الجدد للاندماج في سوق العمل والعثور على منطقة للاستقرار والتكيف مع الحياة الكندية.
وتوضح الدراسة أن المهاجرين الآتين من بعض الدول، بما في ذلك لبنان وتايوان والولايات المتحدة وفرنسا وهونغ كونغ، بالإضافة لفئات المستثمرين ورجال الأعمال، يسجلون نسبا أكبر في بيانات الهجرة العكسية.
ومن جانبه، حذر محمد الديدموني الراغبين في الهجرة إلى كندا من وسائل التواصل الاجتماعي.
تصوّر لنا وسائل الإعلام في دولنا العربية، فانكوفر وكندا على أنهما من أفضل الأماكن في العالم. نشعر وكأننا ذاهبون إلى الجنة. ولكن عندما نصل، نكتشف أن الواقع مختلف تماما. لا أنصح أحدا بتخطيط حياته بناءً على وسائل التواصل الاجتماعي أو ما يقوله المدونون؛ بل يجب دراسة الموضوع بواقعية.
Up And Down Beirut