
تختلف التجربة الكندية لأفراد مجتمع الميم من أصول عربية من شخص لآخر وتميّزها تحديات شخصية تنتج مسارات متعدّدة.
وفي هذا الإطار أجرى راديو كندا الدولي مقابلة مع ريان، وهو رجل متحول جنسيا من أصل فلسطيني وصل إلى كندا في الثانية من عمره، وسيف، وهو لاجئ عراقي مثلي الجنس فر من بلاده بسبب تهديدات بالقتل من الميليشيات وقبيلته.
وصل سيف، الذي يبلغ من العمر 29 عاما، إلى كندا قبل نحو عامين بعد مروره بلبنان.
وفي بلده الأصلي، وتحديدا في النجف، كان منخرطا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وبصفته مؤسسا لإحدى أكبر منصات النشطاء على إنستغرام في العراق، سرعان ما أصبح هدفًا للسلطات، وتلقى تهديدات بالقتل بشكل شبه يومي من الميليشيات المسلحة، كما أكّد.
وإلى جانب ذلك، واجه سيف أيضا ضغوطًا من قبيلته وعائلته، الذين ’’راقبوني عن كثب ومنعوني من مغادرة بلدتي تحت طائلة التهديد بالانتقام المميت. وأمام هذا الخطر المحدق، اضطررت إلى الفرار من العراق سرا‘‘، كما قال.
ويقول إن سمعة كندا في التنوع، وأمل أن يجد فيها ملاذا من التمييز الذي عانى منه افي الشرق الأوسط، جعلاه ينجذب إلى هذا البلد.

سيف، رجل من مجتمع الميم من أصل عراقي يعيش في تورنتو. (الصورة من الأرشيف).
وعند وصوله، فاقت الحقيقة توقعاته بكثير. فبينما كان يتوقع أن يُهمّش ويُعزل في بيئة غربية تخيلها متجانسة، فوجئ بالفسيفساء الثقافية للبلاد.
كانت كندا أفضل مما تخيلت. رأيت أناسا من جنسيات مختلفة، لذا لم أشعر بالغربة في البداية ولو للحظة واحدة، بفضل الدعم والمودة اللذين تلقيتهما.
وسمح له التواجد القوي لجنسيات متنوعة، بالإضافة إلى الجاليات العربية والإسلامية، بالاندماج بسرعة ، وبينما يعتبر سيف أن اندماجه الاجتماعي ’’كان نجاحا كبيرا‘‘، يقول إن مساره المهني كان ’’أكثر تعقيدا‘‘ ، فعلى الرغم من خبرته التي تزيد عن سبع سنوات كمصمم غرافيكي لدى العديد من منظمات المجتمع المدني في العراق، يواجه سيف عقبات هيكلية في سوق العمل الكندي.
تُرفض طلباته بشكل من قبل المؤسسات الكندية لافتقاره إلى ’’خبرة كندية‘‘، مما ’’يمحي‘‘ مهاراته المهنية كما قال ، ورغم هذه التحديات، يواصل سيف نشاطه في كندا مع منظمة ’’أبرار‘‘، التي تُعنى بشكل أساسي بالمثليين من ذوي الأصول الشيعية.
يركز عمله على التوعية والتثقيف لتفكيك الخطابات الدينية القمعية ، ويعيد سيف ’’كتابة التاريخ من خلال استكشاف شعر العصرين العباسي والصفوي لتسليط الضوء على الحضور التاريخي للهويات المثلية‘‘ في ثقافته.

كندا، ملجأ للمضطَهَدين من مجتمع الميم عبر العالم.
وعلاوة على ذلك، يشارك سيف بفعالية في بناء شبكات التضامن من خلال تنظيم فعاليات مجتمعية، مثل موائد الطعام الجماعية خلال شهر رمضان، ’’لتوفير مساحات آمنة لأبناء الانتشار‘‘، كما أوضح.
ريان
نشأ ريان في كندا، لكنه يقول إنه ’’واجه شعورا عميقا بالعزلة، سواء على صعيد الهوية أو الأسرة‘‘ ، ويضيف أنه خرج من بيت أهله في كندا رغماً عنه في سن السابعة عشرة بعد أن اكتشفت عائلته توجهه الجنسي.
وقد رفضت عائلته الفلسطينية المسيحية ذلك، حتى أن والديه ’’استشارا الكنيسة في محاولة لتغييري‘‘، كما قال ، والتحق بعد ذلك ريان بالجامعة للدراسة. ورغم لجوئه إلى مراكز الطلاب المثليين، سرعان ما أدرك أن هذه الأماكن يغلب عليها البيض.
وشعر حينها بتناقضٍ عميق: ’’شعرت أنني مضطر لإخفاء ثقافتي الفلسطينية ليقبلني مجتمع المثليين، تماما كما اضطرت لإخفاء هويتي الجنسية عن والديّ‘‘.
ريان، عابر جنسيا من أصل مصري، يعيش في تورنتو. (الصورة من الأرشيف).
العرب المثليين موجودون في كل مكان، ونحن كثر. نحب أن نكون عربا، لكننا نريد أيضا أن نكون مثليين، وهذان الأمران لا يتعارضان.
ويقول إنه يريد فقط أن يكون ’’مثل أي عرب آخرين. نريد أن نحب عائلاتنا. نريد الحفاظ على ثقافتنا. نريد فقط أن نحب من نحب‘‘ ، ومع مرور الوقت، تصالح ريان مع والدته، التي فضّلت في نهاية المطاف ’’حبّ ابنها على التمسك الصارم بمعتقداتها الدينية‘‘.
ويعيش ريان اليوم مع شريكته وطفلهما. ’’هذا يُجسّد نموذجا نادرا للأبوة والأمومة المثلية في المجتمع العربي في تورونتو‘‘.
الدعم المتبادل
ولمواجهة نقص المساحات التي تسمح بتعايش الهويات العربية والمثلية في تورنتو، كرّس ريان وسيف جهودهما لإنشاء مجتمعات مُخصصة ، فخلال فترة الجائحة، شارك ريان في تأسيس ’’ميم تورنتو‘‘ (Meemtoronto)، وهي مجموعة دعم لأفراد مجتمع الميم من أصول عربية.
وتظّم المجموعة، التي يبلغ عدد أعضائها حوالي 100 عضو على تطبيق واتساب، لقاءات ونزهات وحفلات بشكل دوري ، وحسب ريان ’’يهدف هذا المشروع إلى تحقيق هدفين: توفير شبكة دعم، خاصةً للقادمين الجدد الباحثين عن سكن أو رعاية طبية، وتعزيز بيئة اجتماعية احتفالية تُتيح التعبير بحرية عن الثقافة العربية‘‘.
Up And Down Beirut