3 شاعرات عربيات يواجهن العالم بقصائد مشاكسة

تحضر الأسماء النسائية بصورة لافتة وفاعلة في أحدث موجات حركة قصيدة النثر العربية، وهو حضور ثري يعكس ذهنية متقدة ورؤى منفتحة وتجارب إنسانية ناضجة. ويؤكد هذا الحضور تخطي ذلك الجيل من الشاعرات ظلال المفاهيم الضيقة في شأن الكتابة النسوية المنغلقة على ذاتها أو المستأسدة ضد موروثات ذكورية قمعية أو المنحصرة في انفلاتات وصرخات متمردة تتعلق بشؤون جندرية وقضايا حقوقية.

ما من شك في أن الشاعرات الجديدات يحتفين بالتحدي، ولكنه احتفاء من منظور مغاير، إذ يعتبرن أن القصيدة ذاتها هي مجال التحدي الأول، بنية ومعالجة وتعبيراً وتصويراً وحركة وسعياً إلى مفارقة السائد وخلخلة الساكن وتحطيم أفق التوقع الجاهز. وعليه، يمكن خوض غمار تحديات أخرى، تتصل بتعرية الذات (الأنثوية بخاصة، والإنسانية عامة)، ومساءلتها بصراحة وصرامة وجرأة، والاشتباك مع الحاضر القاسي وتفكيكه والسخرية منه، وربما الرقص على أنقاضه، ومواجهة عثرات الطريق في واقع مأزوم وصادم بألاعيب هشة ومشاغبات مضحكة مبكية وحيل فنية متنوعة، مما يعيد “الشعرية المكتفية بذاتها”، إذا جاز التعبير، لصدارة المشهد في النص الإبداعي.

 

تحت هذه المظلة، يمكن الإطلال على ثلاث مجموعات شعرية صدرت حديثاً، هي “حتى تفرّقنا رقعة الشطرنج” للمصرية رضا أحمد و”تسعة أغصان لجذع أخضر” للبنانية سناء بزيع و”مسكونة بأشباح ماياكوفسكي” للسورية هند زيتوني.

 

رضا أحمد: لعبة الشطرنج

وتتوغل صاحبة المجموعات الشعرية “سمكة زينة في صحن الخلود” و”لهم ما ليس لآذار” و”قبلات مستعارة” و”أكلنا من شجرته المفضّلة” و”الاعتراف خطأ شائع”، عبر ديوانها الجديد، في ممارسة ألاعيبها المدهشة، بتلقائية نسمة عشوائية وبجموح فارسة عمياء لا ترى في الحلبة نُسَخَها المكررة، ولكنها توقن أن أحداً لا يشبهها في الصولات والجولات في عالم الصراعات المعقدة، على مستوى العلاقات والمشاعر والحاجات المادية والمعنوية.   

 

إنها في الحقيقة لعنة التأرجح، كأنثى وكإنسانة، بين مقام الفاعلة وموضع المفعول بها، وإنها لعبة صناعة الحياة من جديد، هامشياً وهزلياً، بعدما تأكد أن الميراث الرسمي لم يسفر سوى عن “طوابير الخبز، ومطرقة حطمت عظامنا”. إنه التشبث أيضاً بالملموس، الجسد، وإن صار رماداً أو تراباً أو ذكرى بعيدة، فهو الألصق دائماً بالحقيقة وبالمخيلة من روحانيات ذائبة وغيبيات مجهولة “أحببتكَ کموجة، تسرق من البحر وجهه الشاب/ كلما ضاق بنا الخيش، الذي يجمعنا، أرافقك في مطاردة جديدة، تحت كل قطعة تتعرى، من جسدي”.

 

سناء بزيع: لعبة الألوان

وفي مجموعتها الشعرية “تسعة أغصان لجذع أخضر” (دار روافد للنشر، القاهرة، 2026)، تعتمد الشاعرة اللبنانية سناء بزيع حيلاً وألاعيب متعددة لتفجير الشعر أغصاناً متنوعة متفرعة من سائر البذور المتاحة، وفي كل تربة ممكنة، فالقصيدة هي ابنة لسرديات متشابكة متشكلة من الصورة والحركة والموسيقى والكاريكاتير وغيرها.

 

وتأتي اللعبة اللونية أو ضربات الفرشاة والأضواء والظلال كواحدة من أبرز ألاعيب الشاعرة وتجلياتها الجمالية. ففي السياق اللوني المنصهر المرن، غير المحدد ببرواز، تحضر الكائنات والأشياء والعلاقات جميعاً في حال سيولتها الطبيعية، إذ يحيل وجودها الحي إلى ماهيتها الأصلية، حتى إن بدت مختلفة عما تبدو عليه في الواقع الاعتيادي “أسندوا رأسي على عشبة، مطرزة بأغنية بعيدة/ كانت لأبي، كانت لأمي، كانت لهم/ في عيونهم شجر وارف، وأسماء تكاثرت من مرمر الأفئدة/ هم مشيئة الله في الزيت المقدس، وزهر البرتقال الأبيض، وصوت الأجنة في انتظار الولادة/ تسعة أغصان لجذع أخضر، وفاكهة تدلت”.

 

هي الألوان التي يمكنها أن تتفاعل وتتّحد معاً في مركّب عجائبي يناسب فصول العام كلها من صيف وشتاء وربيع وخريف، بل فإنه ذلك الخليط الذي يجعل الضحكة الإنسانية المفقودة ترنّ في ساعة الحائط المهجورة في مواعيد دقاتها المنسيّة جميعاً. وهكذا، من خلال ألاعيب مواجهة الممكن الكارثي الكئيب، يتولد المستحيل كخريطة بديلة أو كجزيرة افتراضية، تسكنها امرأة صارت قادرة على الابتسام مرة أخرى، بعدما ماتت منذ مئات الأعوام.

 

هند زيتوني: لعبة الأشباح

وفي ديوانها “مسكونة بأشباح ماياكوفسكي” (دار نينوى للنشر، دمشق، 2026)، تغرق الشاعرة السورية هند زيتوني في دم القصيدة فاتحة نوافذ ألاعيبها على ملاقاة الأشباح واحداً تلو الآخر، إذ تغدو الكتابة صدمة من فصول عدة لا تقل فداحة عن صدمات الحياة المتتالية، منذ الميلاد غير الاختياري، حتى الموت المفاجئ، ولمّا يتحرر العالم بعد من شقائه.

 

ولا تكترث صاحبة المجموعات الشعرية “كلمات وحفنة من حنين” و”أنثى بنكهة البنفسج” و”غواية الدانتيل” و”وحدي أتمدد في الفقاعة”، خلال ديوانها الجديد، بعودة الروح لذرّاتها العضوية المتحللة، ولا بالإيمان الجمعي بأن “الزمن الأجمل قادم ذات يوم”، ولكنها تكتفي بأن تتفانى في تشريح رغباتها التي لا تزال خصبة، قانعة بأن “تضع جثتها فقط على سرير وثير، وتقفز في حقول اللغة، وتتقاسم الكلمات مع كائنات أخرى لا تعرفها”.

 

تتماس الذات الشاعرة، المشحونة بأشباحها الخاصة، مع أشباح الشاعر والكاتب الروسي فلاديمير ماياكوفسكي (1893-1930) الذي مات منتحراً بعد سلسلة من العذابات والإخفاقات العاطفية والاجتماعية والثورية، كتبت نهاية دامية لطموحاته وجراحه النازفة. وتدير الشاعرة لعبتها عبر الأزمنة والأمكنة، وكأنما “تتنفس خيبات الكون كله”، بلا مراد ولا غاية في رحلتها العبثية سوى إيقاد نار الأسى المقدسة والإبقاء عليها متيقظة إلى الأبد “أشعل نار حزني خفية في أخشاب الحروف الهرمة”.

 

وتبقى الحياة الاعتيادية، الكائنة خارج حيل الشاعرة وألاعيبها ومشاغباتها وتخييلاتها، مجرد قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة. أما الرقصة الختامية، التي ربما لا تأتي، فلن تكون سوى مع شبح الشعر الشفيف، ذلك الذي لا يخلو من قدرة على تدريب القلوب على القفز إلى منطقة برزخية تغزل النجوم فيها أثواباً للحكايا غير المألوفة.

المصدر: اندبندنت عربية

شاهد أيضاً

صدور كتاب “البطريرك الدويهي: منارة ليتورجية” للأب بو عبود

وطنية – صدر حديثاً كتاب “البطريرك الدويهي: منارة ليتورجية” للراهب مدير المعهد الفني الانطوني في …