
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2026 بنحو 2.3 نقطة مئوية، لتستقر عند 2% مُقارنةً بتقديراته السابقة في أكتوبر البالغة 4.3%، في ظل تداعيات حرب إيران التي تضغط على اقتصادات المنطقة.
يُعدّ هذا من بين أكبر التخفيضات التي قام بها صندوق النقد الدولي في توقعات النمو الإقليمي خلال ستة أشهر منذ الأزمة المالية العالمية، بحسب جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي ، على مستوى أكبر اقتصاد عربي، قلّص الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2026 إلى 3.1%، بانخفاض 1.4 نقطة مئوية مُقارنةً مع 4.5% في توقعات يناير و4% في أكتوبر، وذلك بعد ثلاث مراجعات إيجابية متتالية.
رغم ذلك، أبدى الصندوق تفاؤلاً بشأن 2027، إذ رفع توقعاته لنمو السعودية إلى 4.5%، بزيادة 0.9 نقطة مئوية عن تقديرات يناير البالغة 3.6% و3.2% في أكتوبر، ما يعكس آفاقاً إيجابية لاقتصاد المملكة ، نجحت السعودية في الاستغناء عن مضيق هرمز الذي كان مغلقاً أمام الملاحة منذ بداية الحرب، باستعانتها بخط أنابيب لنقل النفط براً من الشرق إلى الغرب على البحر الأحمر، ما مكّنها من ضمان استمرار تدفق الإمدادات لعملائها دون انقطاع.
أزعور قال، خلال مؤتمر صحفي لتقديم التقرير، إن الصراع في المنطقة أدى ذلك إلى زعزعة ثلاثة أركان للاستقرار: أسواق الطاقة، وطرق التجارة، وثقة قطاع الأعمال، مشيراً إلى أن الطاقة تُعدّ محور هذه الأزمة.
انكماش في ثلاثة اقتصادات خليجية
توقع الصندوق، ضمن تقريره حول آفاق الاقتصاد الإقليمي، دخول ثلاثة اقتصادات خليجية في دائرة الانكماش خلال 2026، وهي البحرين والكويت وقطر.

وتُعدّ البلدان الثلاثة من أكثر تضرراً من الهجمات التي شنتها إيران بالمسيرات والصواريخ الباليستية. ففي قطر توقفت منشأة رأس لفان، وهي أكبر منشأة في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال، عن العمل منذ أوائل مارس، وهو ما ساهم في تعطيل نحو 17% من الطاقة التصديرية السنوية لقطر لفترة قد تصل إلى خمس سنوات.
قال الصندوق إن اندلاع حرب إيران أحدث صدمة شديدة في أحد أكثر الممرات الاقتصادية الاستراتيجية أهميةً في العالم. وأشار إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار يمثل تطوراً إيجابياً وخطوةً مهمةً نحو خفض التصعيد.
وقد عكس تصريح وزير مالية قطر علي الكواري حجم الضرر الذي لحق بلاده، إذ أشار إلى أن ” التداعيات الكاملة للحرب لم تتكشف بعد وتوقعات بظهور آثار أوسع على الاقتصاد العالمي خلال شهر واحد فقط”، وذلك على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.
رغم الهدنة، نبهت المؤسسة المالية المُقرضة إلى أن درجة عدم اليقين لا تزال مرتفعة للغاية، مشيراً إلى أن “الآفاق تعتمد إلى حد كبير على مدى صمود وقف إطلاق النار واستعادة الاستقرار الإقليمي والعالمي”.
القطاعات غير النفطية.. السياحة والخدمات
تأثيرات التصعيد لم تتوقف عند منشآت الطاقة، بل تسللت إلى القطاعات غير النفطية في المنطقة مثل السياحة والخدمات بحسب صندوق النقد، في ظل عزوف السياح على زيارة البلدان وسط استمرار مخاطر الحرب ، وقال أزعور إن الحرب أثرت على الخدمات، وسببت في انهيار حركة النقل الجوي، وارتفاع أقساط التأمين البحري. كما أشار إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، لا سيما في البلدان التي كانت فيها خيارات السياسة النقدية محدودة.
تُعول عدة دول في المنطقة على قطاعات السياحة والخدمات لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. وقد تضررت حركة الطيران في محاور خليجية رئيسية ولم تعد وتيرة الرحلات إلى سابق عهدها حتى الآن. كما حذر الصندوق من تأثيرات طويلة الأمد على النمو والإنتاج إلى جانب تكاليف التجارة التي تدفع الأسعار نحو الصعود.
تتباين تأثيرات الحرب على الحسابات الجارية للدول النفطية، مع احتمال تعرض الفوائض المالية لتقلبات مرتبطة بأسعار النفط ومستويات الإنتاج، وفقاً للتقرير. وتبرز سلطنة عُمان كأحد المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط، مستفيدة من موقعها خارج مضيق هرمز، وهو ما يعكس خفض توقع نموها بأقل مستوى بنحو 0.5 نقطة مئوية إلى 3.5%.
الأمن الغذائي في الخليج
التأثيرات السلبية للحرب تشمل أيضاً الأمن الغذائي في دول الخليج نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء واعتمادها الكبير على الواردات، إضافة إلى محدودية المخزونات، بحسب صندوق النقد الدولي.
يفاقم هذا الوضع الضغوط التضخمية في اقتصادات المنطقة، وإذا ما أُضيفت إليه أزمة المياه التي تمثل نقطة ضعف إضافية في ظل الاعتماد الكبير على تحلية المياه.
تُعاني دول المنطقة شحاً في الموارد الطبيعية للمياه العذبة، ما يدفعها إلى تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للشرب لتلبية احتياجات السكان المتزايدة، ودعم النشاط الصناعي، إضافة إلى تعزيز إنتاج الغذاء، وخلال الحرب تعرضت عدة محطات تحلية لأضرار نتيجة الهجمات.
رغم كل هذه التحديات، تبدو الآفاق أكثر إيجابية في 2027، إذ رفع الصندوق توقعاته لنمو اقتصادات الخليج إلى 4.8%، بزيادة 0.9 نقطة مئوية مُقارنةً بتقديرات أكتوبر السابقة البالغة 3.9%.
المصدر: الشرق
Up And Down Beirut