
تُظهر الأدبيات في علم النفس الرياضي أن هوية الرياضي(Athletic Identity) ، كما طوّرهاBrewer William ، تقوم على مدى اندماج الفرد في دوره كرياضي. لكن ماذا يحدث عندما يُسحب هذا الدور فجأة؟
في الواقع اللبناني اليوم، لا يعيش الرياضي فقط توقّفًا في المنافسة، بل حالة اقتلاع نفسي. لاعب كان يقيس أيامه بين تدريب ومباراة، أصبح يقيسها بين خبر أمني وآخر. هذا التحوّل يخلق شعورًا مؤلمًا بفقدان الذات، كأن الرياضي لم يعد يعرف موقعه في العالم.
هذا الإحساس يتقاطع مع ما تصفه نظريات الصدمة النفسية، حيث يعيش الفرد في حالة ترقّب دائم، بين القلق على مستقبله المهني والخوف على واقعه اليومي. إنه ضغط لا يُرى، لكنه يُثقل الجسد والعقل معًا.
ورغم كل ذلك، لا يتوقّف الجميع. هنا يظهر الصمود، لا كشعار، بل كفعل يومي صامت. الصمود هو أن ينهض الرياضي صباحًا ليتمرّن، رغم أنه لا يعرف متى سيلعب مجددًا. هو أن يحافظ على نظامه الغذائي، رغم أن لا بطولة تلوح في الأفق. هو أن يقاوم فكرة الاستسلام، حتى في أكثر اللحظات ضعفًا.
يمكن أن نرى ذلك في لاعب يدرّب نفسه في مساحة ضيّقة داخل منزله، أو في مدرّب يجمع مجموعة صغيرة من الشباب ليمنحهم شعورًا بالاستمرارية. هذه التفاصيل الصغيرة ليست هامشية، بل هي جوهر الصمود.
تفسّرSelf-Determination Theory، التي طوّرها Edward DeciوRichard Ryan، أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالكفاءة والانتماء والاستقلالية ليبقى محفّزًا.
لكن في زمن الحرب، تتآكل هذه الركائز. اللاعب لم يعد يختبر نفسه في المنافسة، فقد جزءًا من انتمائه لفريقه، وأصبح أسير ظروف لا يتحكّم بها. هنا، لا يكون تراجع الدافع ضعفًا، بل ردّ فعل إنساني طبيعي على واقع غير طبيعي.
ومع ذلك، يستمر البعض. ليس لأن الظروف مواتية، بل لأنهم يرفضون أن تُسلب منهم هذه الهوية بالكامل.
الحرب كضغط مستمر… وإمكانية للنمو.
في الحروب، لا تكون الصدمة لحظة عابرة، بل حالة ممتدّة. هذا ما يُعرف بالضغط المزمن، الذي قد يقود إلى الإرهاق النفسي. لكن في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى إمكانية ظهور ما يُعرف بـ”النمو ما بعد الصدمة“.
قد نجد هذا في رياضي بدأ يرى التدريب كوسيلة للنجاة النفسية، لا فقط وسيلة للفوز. أو في لاعب أعاد تعريف النجاح، من منصة تتويج إلى القدرة على الاستمرار يومًا إضافيًا دون أن ينهار.
الرياضة كملاذ داخلي
في هذا السياق، تصبح الرياضة أكثر من نشاط بدني. إنها مساحة داخلية للهدوء، لحظة يخرج فيها الرياضي من ضجيج الواقع إلى إيقاع مألوف: نفس، حركة، تركيز.
أمام هذا الواقع، يقف الرياضي أمام سؤال صعب: هل يبقى أم يرحل؟ هل ينتظر أم يبدأ من جديد في مكان آخر؟
هذا القرار لا يرتبط فقط بالفرص، بل بالمعنى. وهنا يمكن استحضارViktor Frankl ، الذي رأى أن الإنسان يستطيع تحمّل أقسى الظروف إذا وجد معنى لمعاناته.
بالنسبة لبعض الرياضيين، يصبح الاستمرار في لبنان خيارًا يتجاوز المنطق، ليصل إلى مستوى الانتماء. هو نوع من المقاومة الصامتة، من التمسّك بجزء من الذات في وجه الانهيار.
في النهاية، لا يمكن اختزال الرياضة في نتائج أو بطولات أو منصّات تتويج. في لبنان اليوم، أصبحت الرياضة مرآة لواقع الإنسان، بكل هشاشته وقوّته في آنٍ واحد. لم تعد المسألة تتعلّق بالفوز أو الخسارة، بل بالقدرة على الاستمرار في زمن يتآكل فيه كل شيء.
في زمنٍ تتوقّف فيه المباريات، يصبح الصمود هو البطولة الحقيقية… وربما الأهم.
د. طارق عساف
الجامعة اللبنانية
Up And Down Beirut