
أعلنت متاحف الآثار على مستوى الجمهورية في مصر في مشهد يجمع بين عبق التاريخ وروح الحاضر، عن القطع الأثرية المختارة لشهر مارس، وذلك ضمن تقليدها الشهري الذي يهدف إلى تسليط الضوء على كنوز التراث المصري ، فقد جاءت اختيارات هذا الشهر بناءً على تصويت الجمهور عبر الصفحات الرسمية للمتاحف والمواقع الأثرية على منصة “فيسبوك”.
كما حملت اختيارات شهر مارس طابعاً خاصاً، إذ سلطت الضوء على عدد من المناسبات العالمية التي يحتفي بها العالم خلال هذا الشهر، وفي مقدمتها اليوم العالمي للمرأة، وعيد الأم، واليوم العالمي للمياه، لتكشف القطع المختارة عن جوانب إنسانية وحضارية عميقة في تاريخ المصريين عبر آلاف السنين.
المرأة والأمومة في مرآة التاريخ
فبمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يوافق الثامن من مارس من كل عام، تحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتستعرض نماذج ملهمة لنساء تركن بصمات خالدة في المجتمع من خلال العمل الخيري والثقافي والإنساني، لتظل المرأة المصرية رمزاً للقوة والعطاء والإلهام عبر الأجيال.
وتضم القطع المختارة مجموعة متنوعة من الآثار التي تعكس مكانة المرأة في مختلف العصور، حيث يعرض “متحف الفن الإسلامي” بباب الخلق مكحلة من العاج المطعم بالصدف تعود إلى العصر المملوكي، بينما يقدم “المتحف القبطي” بمصر القديمة قطعة نسيج قبطي تصور امرأة بكامل زينتها تحيط بها زخارف وطيور متنوعة.
وفي “متحف المركبات الملكية” ببولاق تعرض صورة فوتوغرافية للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، والتي اشتهرت بلقب “أميرة الفقراء وراعية الأيتام” تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة، خاصة خلال شهر رمضان.
أما “متحف الشرطة القومي” بقلعة صلاح الدين فيعرض مشطاً خشبياً مزخرفاً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعماً بالصدف، زين أحد جانبيه بنقش يحمل عبارة “إن الشيطان لكم عدو مبين”، في مثال على حضور القيم الدينية والأخلاقية حتى في تفاصيل أدوات الزينة الشخصية.
وتبرز رمزية الأمومة بقوة في عدد من القطع التي تجسد الإلهة إيزيس وهي ترضع طفلها حورس، حيث يعرض “متحف مطار القاهرة الدولي” – مبنى الركاب (2) تمثالاً برونزياً من العصر المتأخر للإلهة إيزيس، التي اعتبرها المصري القديم رمزاً للأمومة والحماية، وشبه الأم بنهر النيل الذي يمنح الحياة والخير والنماء.
كما يعرض “متحف ركن فاروق” بحلوان صورة للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، بينما يقدم “متحف جاير أندرسون” بالسيدة زينب صندوق زينة خشبياً مطعماً بالصدف تعلوه مرآة صغيرة ، كذلك يعرض “متحف إيمحتب” بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس وهي تحتضن طفلها حورس، بينما يقدم “متحف الإسماعيلية” لوحة من الحجر الجيري تمثل الثالوث المقدس في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها.
بدوره، يعرض “متحف كفر الشيخ” رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، إحدى الملكات البارزات في العصر البطلمي، في حين يقدم “متحف طنطا” تمثالاً للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم.
ومن بين أبرز القطع أيضاً لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل يعرضها “متحف المجوهرات الملكية” بالإسكندرية، والتي ارتبط اسمها بدعم التعليم في مصر بعد تبرعها بمجوهراتها والأرض التي أنشئت عليها الجامعة المصرية، التي أصبحت لاحقاً جامعة القاهرة.
أيضا تتواصل هذه الحكايات عبر قطع أخرى في متاحف “الإسكندرية القومي” و”الأقصر” و”النوبة” و”مطروح” و”ملوي”، وكلها تسرد جانباً من مكانة المرأة والأمومة في الحضارة المصرية عبر العصور.
كما تحتفي المتاحف المصرية باليوم العالمي للمياه الذي يوافق 22 مارس من كل عام، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة للتأكيد على أهمية المياه العذبة وضرورة الحفاظ عليها وضمان استدامتها للأجيال القادمة ، وتعكس القطع المختارة في هذه المناسبة مدى الارتباط الوثيق بين الحضارة المصرية القديمة والمياه، خاصة نهر النيل الذي كان شريان الحياة ومصدر ازدهار الحضارة المصرية منذ آلاف السنين.
ففي “متحف قصر محمد علي” بالمنيل يعرض طقم شاي فاخر من الفضة مكون من 31 قطعة ومهدى إلى محمد سعيد باشا من الشركة الدولية لقناة السويس، في إشارة إلى الدور التاريخي للقناة كأحد أهم الشرايين المائية العالمية.
ويعرض “متحف مطار القاهرة الدولي” – مبنى الركاب (3) إناءً فخارياً مزخرفاً على هيئة قارب يعود إلى عصر ما قبل الأسرات، بينما يقدم “متحف تل بسطة” بالشرقية نموذجاً لمقياس النيل الذي استخدمه المصريون القدماء لقياس منسوب المياه والتنبؤ بمواسم الفيضان.
أما في “المتحف اليوناني الروماني” بالإسكندرية فيعرض عمود رخامي تذكاري أقيم تكريماً للإمبراطور أغسطس بمناسبة تطهير ترعة “شيديا” التي كانت تمد الإسكندرية القديمة بالمياه العذبة.
كما يقدم “متحف شرم الشيخ” ساعة مائية أسطوانية من الحجر الجيري استخدمت لقياس الزمن عبر تتبع انخفاض مستوى الماء داخل الإناء، بينما يعرض “متحف الغردقة” لوحة تمثل أحراش النيل وتضم أسماكاً وتمساحاً ومركباً في مشهد يعكس ثراء البيئة النيلية.
ربط الماضي بالحاضر
يذكر أن هذا التقليد يأتي في إطار الدور الثقافي والمعرفي الذي تضطلع به المتاحف المصرية باعتبارها منصات حية للتواصل مع المجتمع، حيث تسهم في نشر الوعي الأثري والسياحي وتعزيز قيم الهوية والانتماء، إلى جانب إبراز ثراء الحضارة المصرية عبر العصور، وإتاحة الفرصة للجمهور للمشاركة في اختيار القطع التي تحكي قصص التاريخ.
أما القطع المختارة، فتعكس أيضا إبريقاً نحاسياً من العصر الإسلامي يعرضه “متحف سوهاج القومي”، إضافة إلى سمكة “قشر بياض” محنطة يعرضها “متحف التحنيط” بالأقصر، والتي حظيت بمكانة مقدسة في العقيدة المصرية القديمة.
أيضا تعطي هذه المبادرة الشهرية الدور المتجدد للمتاحف المصرية في تقديم التراث الحضاري بأسلوب تفاعلي يربط الماضي بالحاضر ، كما تمنح الجمهور فرصة لاكتشاف قصص إنسانية وتاريخية ثرية تحكيها القطع الأثرية.
Up And Down Beirut