
تأتي دائماً الحروب المفاجئة بآثار نفسية عميقة وصدمات يصعب تخطيها. هذه التداعيات تكون متفاوتة من حيث حدتها بين شخص وآخر، وفق عوامل عديدة تؤدي دوراً في ذلك منها الظروف المحيطة، ومدى هشاشة الصحة النفسية، والدعم المتوافر في المحيط، حتى إنه في المرحلة الحالية يختلف وقع الحرب بين المواطنين في لبنان ومن هم في الخليج العربي بسبب اختلاف الظروف بين الدول، إذ سبق أن عاش اللبنانيون حروباً وأزمات متكررة، فيما نعمت دول الخليج طويلاً باستقرار، مما جعل وقع الحرب المفاجئة أشد وطأة على أهلها. لكن، بحسب المتخصصين هذا لا يجعل اللبنانيين أكثر صلابة في مواجهة هذه الحروب المتكررة، خصوصاً الأطفال منهم الذين يعدون من أوائل الضحايا في الحرب وفي مقدم المتضررين منها.
آثار الحرب صادمة للكل
تؤدي النزاعات المسلحة والحروب عامة إلى الدمار وإلى آثار كارثية ودمار، إلا أن نتائجها المدمرة لا تقتصر على البنى التحتية والمباني، بل تصل إلى الإنسان وصحته النفسية فتسبب في النفوس جروحاً عميقة غير مرئية لا تلتئم مع مرور الوقت. وتبقى مشاهد الدمار وصوت القصف والقنابل راسخة في الأذهان، خصوصاً لدى الأطفال، بما لذلك من تبعات قاسية عليهم تؤثر في حياتهم اليومية طويلاً. الحرب الدائرة حالياً لا تختلف بذلك عن أي حرب أخرى، لكن، قد يبدو آن آثارها في لبنان قد تختلف عما هي عليه في دول الخليج التي لم يعش مواطنوها حروباً سابقة ونعموا بسنوات طويلة من الاستقرار والأمان، إنما بحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية كارول سعادة “أياً كانت ظروف الحرب، وسواء كانت متكررة ومتوقعة أو مفاجئة، لها تداعيات نفسية كبرى وتسبب ضغوطاً نفسية خطرة، فحتى إذا كان اندلاع الحرب متوقعاً ويتحضر لها المواطنون، هذا لا يعني أنها لا تستدعي تفعيل الآليات الدفاعية لديهم بمستويات متفاوتة بحسب ظروفهم ومدى تعرضهم للضرر، سواء كان مباشراً أو غير مباشر في هذه الحرب”.
أضافت سعادة “بطبيعة الحال، حتى في لبنان يختلف وقع الحرب وأثرها في المواطنين بحسب ما إذا كانوا من النازحين، وقد اضطروا إلى مغادرة بيوتهم أو لا، وما إذا كانوا متضررين شخصياً، أو إذا كانوا يتعرضون بطريقة غير مباشرة للضرر. فلكل من الظروف تداعياتها ووقعها على الصحة النفسية، لكن أياً كانت الظروف، هناك تفعيل للقلق الذي أصبح منتشراً بين الناس كافة أينما وجدوا بسبب الهواجس حيال المستقبل وما يمكن أن يحصل، والخوف وغيرها من المشاعر السلبية، وذلك ينطبق حتى على من يعيشون حالاً من النكران فتظهر عندها هذه الآثار بطريقة غير مباشرة. في مثل هذه الظروف، ننصح بالتحلي، قدر الإمكان، بالواقعية في النظرة إلى الأمور والتعاطي معها، وعدم الانجرار وراء التهويل أو التأثر به، وعدم تضخيم الظروف”.
وتابعت الاختصاصية في المعالجة النفسية “إن الحد من متابعة أخبار الحرب وتفاصيلها يساعد على خفض الضغط النفسي وأثر الحرب على الصحة النفسية، فالتعرض لهذه الأخبار، بصورة متواصلة، كما يفعل البعض، يسهم في رفع مستويات الكورتيزول في الجسم، ويزيد مستويات التوتر. ومن الخطوات المهمة التي تساعد على الحد من الضغوط النفسية أيضاً في ظروف الحرب الحفاظ على روتين الحياة المعتاد قدر الإمكان، إلى جانب الحفاظ على الصحة الجسدية بممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي ومتوازن، وتناول الوجبات في مواعيدها، إذا كان ذلك ممكناً. وعلى رغم أجواء الحرب المسيطرة، من المهم الحرص على الابتعاد عنها إلى حد ما عبر التحدث مع الأصدقاء في شؤون أخرى إيجابية أكثر، فلا يرتبط الحديث كاملاً بالحروب”.
عندما تكون الحرب مفاجئة: أعراض تختلف لدى الأطفال
من الممكن أن تكون الحرب الدائرة حالياً الأولى بالنسبة إلى البعض، كما حصل في دول الخليج التي كثيراً ما نعمت بالاستقرار. في هذه الحالة، قد تكون الأمور مختلفة بالنسبة إلى من يتعرضون لحرب مفاجئة للمرة الأولى، وتكون ردود فعلهم مختلفة إذا كانوا يتعرضون للمرة الأولى لهذا النوع من الصدمات، إلا أن هذا لا يعني، بحسب سعادة، “أن لدى من يتعرض بصورة متكررة للصدمات نفسها لا تعود هناك رد فعل على ذلك.
من الممكن أن يكون رد الفعل مختلفاً ليس إلا، فتأتي في صورة تجمد أو شعور بالتخدير فتكون الآثار مختلفة من الناحية النفسية. وسواء كانت هذه المرة الأولى التي يتم التعرض فيها لصدمة مماثلة أو في حال التعرض لها بصورة متكررة، هناك آثار مباشرة يمكن أن تظهر مثل التجمد، ونوبات الهلع لدى البعض، والقلق المتزايد لدى المراهقين والأطفال، ونوبات غضب وخوف لدى الأطفال يمكن التعبير عنه بطرق مختلفة مثل البكاء والحاجة إلى ملازمة الأهل. بصورة عامة تختلف الآثار التي تظهر لدى الراشد عن تلك التي تظهر لدى الأطفال، فيعاني الراشد غالباً التيقظ الزائد، والكوابيس، والقلق من حصول أمر ما، والخوف، إلى جانب آثار غير مباشرة مثل الآثار النفس – جسدية، والأوجاع، والتشنجات، وأوجاع المعدة، والحرقة، وأوجاع الرأس، أما الآثار الطويلة المدى فلم تعد تتعلق باضطراب ما بعد الصدمة فحسب، التي ترتبط بصدمة واحدة تحصل في حياة الإنسان، لأن الصدمات أصبحت متواصلة ومتكررة في حياة المواطن اللبناني، مما يترك أثراً خطراً أكبر على الجهاز العصبي بصورة عامة، ويجعل الإنسان في حال قلق وضغط نفسي مزمن ما لم تتخذ الإجراءات والاحتياطات التي تسهم في حماية الصحة النفسية”.
وتابعت سعادة “لكن بطبيعة الحال تختلف الآثار القصيرة المدى وتلك البعيدة المدى بحسب التركيبة النفسية والحصانة النفسية ومستوى المرونة، إضافة إلى الظروف فهي عوامل تختلف بين شخص وآخر، وتؤدي بالتالي إلى اختلاف آثار الحرب والصدمة على الصحة النفسية، بالتالي لا يمكن التعميم، لكن ثمة آثاراً أكيدة لمثل هذه الظروف، ولا بد من التعامل معها بالصورة المناسبة”.
الأطفال أكثر هشاشة
أما الأطفال فيختلف أثر الظروف عليهم، فهم فئة أكثر هشاشة من الناحية النفسية، كما هو معروف، ولا يمكن التعامل معهم بالطريقة نفسها التي يتم فيها التعامل مع الراشدين، وثمة إجراءات مختلفة لا بد من اتخذاها لحمايتهم، لكن بحسب مديرة الحصانة والمرونة في منظمة “حماية” روز – ماري حبشي ضاهر، يختلف الوضع بين ما إذا كان الطفل نازحاً أو لا، وبين ما إذا كان في منطقة قريبة من مواقع القصف ومتأثرة بها، أو يعيش في منطقة بعيدة، ويختلف الوضع بين ما إذا كان الطفل في لبنان أو في دولة أخرى تعيش ظروف الحرب، كما يحصل حالياً في الخليج، “فوقع الصدمة يكون مختلفاً بحسب الظروف، لكن مما لا شك فيه أن عودة الأطفال إلى ظروف الحرب يعد صعباً في كل الحالات”، ولا تنكر ضاهر أنه من الصعب توفير ظروف طبيعية لطفل يعيش في مناطق القصف أو في مناطق قريبة منها، “لكن إذا كانت الظروف تسمح بذلك، من المهم أن يسعى الأهل إلى إبعاد الأطفال قدر الإمكان عن مشاهد القصف، والبيوت المهدمة، والدمار. في المقابل من المهم الحرص على الحفاظ على روتين معين للأطفال لوضح حد لخوفهم وهواجسهم.
ففي ظروف من عدم الاستقرار، من الطبيعي أن تتأثر صحتهم النفسية، ويمكن أن يساعد الروتين المعتاد بالحد الأدنى منه، والصلاة، وممارسة هوايات معينة مثل المطالعة على طمأنتهم وتوفير شعور بأمان لمن ليسوا متضررين بصورة مباشرة من الحرب”. وأضافت، “يكون الوضع أكثر صعوبة بطبيعة الحال في حال غادر الطفل منزله، ولا ينام في سريره، وقد ترك ألعابه، وينام مع عائلات أخرى بعيداً من محيطه.
يبقى الأصعب الوضع الذي يعيشه من تركوا منازلهم وانتقلوا إلى مناطق أخرى، وإن كانوا قد يشعرون بالأمان عند وصولهم إلى ملجأ أو مركز إيواء في حال تأمين الحاجات الأساسية وبوجود جمعيات داعمة، تؤمن الإسعافات النفسية الأولية، لكن في الوقت نفسه، من المهم عدم التركيز على أخبار الحرب والقصف وإبقاء العائلات مجتمعة في مراكز الإيواء. وتؤدي الجمعيات المتخصصة في التعامل مع الأطفال دوراً مهماً في هذه الظروف، تتعامل مع العائلات وتتحدث معها وتعمل على التوعية وطمأنة الأطفال في مرحلة أولى، قبل الانتقال إلى الأنشطة الترفيهية والدعم النفسي والأغاني والرسم بحسب الأعمار في مراكز الإيواء وبعد تأمين مكان آمن لهم وتوفير حاجاتهم الأساسية”.
أما الأطفال الذي هم خارج هذه المراكز، فمن المهم الحفاظ على روتين معين معتاد لهم، إلى جانب تجنب عرض مشاهد وصور وأخبار للقصف والدمار عليهم، وشددت مديرة الحصانة والمرونة في منظمة “حماية” على أن أوقات متابعة الأخبار يجب أن تكون للراشدين فقط بغياب الأطفال، “فيما يمكن مع الأطفال مشاهدة برامج تناسب أعمارهم، من المهم توضيح طبيعة الوضع للأطفال إذا كانت أعمارهم تسمح بذلك لطمأنتهم والتأكيد أنهم في حماية أهلهم وبأمان معهم.
في لبنان بصورة خاصة، أصبحت ظروف الحرب مألوفة أكثر للأطفال، لكن من المهم طمأنتهم من جديد، فهم في حاجة دوماً إلى حماية ما دام أمانهم وروتين حياتهم قد تغير، وبما أنهم ليسوا في وضع طبيعي بغياب المدرسة وبوجود القصف والدمار، خصوصاً إذا كانوا من النازحين. فكل هذه الأمور السلبية تخترق حياتهم، وهم لا يفهمون ما يحصل في حياتهم كما يفعل الراشد”.
وتابعت، “يتأثر الأهل حكماً بالتغيير الحاصل في نمط الحياة في ظروف الحرب، خصوصاً أن المدارس أقفلت أبوابها وأصبحت رعاية الأطفال هماً إضافياً يقلقون من أجله، خصوصاً إذا عادوا للعمل. في كل الحالات، يجب أن يركزوا أولاً على طمأنة الطفل، وأن يسألوه عن أحاسيسه، وأن يؤكدوا له أن الوضع جديد لهم أيضاً، بما أن الظروف مستجدة، إضافة إلى تأمين وجوده مع أشخاص موثوقين من المقربين بغياب الأهل. في الوقت نفسه، من المهم التأكيد له أنه في أمان معهم بعيداً من القصف والأماكن الخطرة فلا يتأثر جسدياً ونفسياً. فهو في ظروف لم يعتد عليها وهو في واقع صادم لا يشبه حياته كطفل فلا يحسن التعامل معه. لذلك، على الأهل الاستعداد لأي سؤال يمكن أن يطرحه الطفل حول مخاوفه سعياً إلى طمأنته وصون صحته النفسية”.
في الحرب قد يكون الأطفال من أوائل الضحايا، إذ بلغ عدد الأطفال الذين خسروا حياتهم فيها 83 في الأقل، وهم من الضحايا الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في عالم تكثر فيه الحروب والنزاعات والشر. أما من نجوا من القصف فيعيشون ضحايا هذه الظروف الأليمة وما تخلفه من ذكريات موجعة لديهم لا تفارقهم مدى الحياة وترسم مستقبلهم وشخصياتهم، خصوصاً ما لم يحصل تدخل جدي لمساعدتهم.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut