
نحن في عصر إنتاج المحتوى، إذ يمكن أن يعد معظم البشر اليوم صناعاً أو يحلمون بأن يصبحوا صناع محتوى، حتى لو كانوا مجرد مديري على صفحات اجتماعية، ولو اختلف نوع المحتوى وأهميته ومدى جودته.
لم يعد يقتصر إنتاج المحتوى على المؤثرين الحقيقيين وأصحاب العلم والمعرفة، بل ترافق هذا المصطلح مع تحقيق الربح من خلال نشر المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى إن مفهوم المحتوى ذاته تغير تدريجاً، إذ يطلق اليوم على جميع أنواع “الفلوغز vlogs” اسم المحتوى، رغم أن معظمها لا تقدم أكثر من نمط حياة الشخص ويومياته المكررة، حتى يكاد يعد بعضها مضيعة للوقت لا أكثر، مثل فيديوهات تناول الطعام والحديث عن اليوميات وغيرها، ومع ذلك تجد عليها آلاف المتفاعلين وعشرات آلاف المشاهدات.
لكن الحقيقة أن ما نتحدث عنه هنا تحول مع الوقت إلى صناعة تشهد نمواً مستمراً، ينتفع منها جميع مقدمي ومشاركي المحتوى بلا استثناء وأياً كان نوع المحتوى، سواء كان مقاطع فيديو على منصات البث أو مدونات إلكترونية أو بودكاست، إذ حوّل اقتصاد المحتوى الأفراد العاديين علامات تجارية مؤثرة وبعض الهوايات البسيطة إلى شركات تجارية تدر الأموال، ومن هنا لم يعد المحتوى مجرد وسيلة للمعرفة أو التسلية كما كان سابقاً، بل أصبح ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي الجديد.
اقتصاد المحتوى
يشير مصطلح اقتصاد المحتوى أو اقتصاد المبدعين، إلى إيجاد قيمة من خلال خلق محتوى يمكّن من إنشاء اتصالات مفيدة مع المتلقي، وأصبح اليوم منظومة متكاملة ونظاماً مدعوماً ببرمجيات يحقق صناع المحتوى من خلالها دخلاً مقابل إنشاء ونشر المحتوى الرقمي على منصات عدة مثل “يوتيوب” و”تيك توك” و”إنستغرام” والمنصات المدفوعة، إذ تقوم بإنشاء المحتوى أو توفير المنتجات والخدمات ومشاركتها مباشرة مع جمهورهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وباستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وبلغ حجم سوق اقتصاد المبدعين العالمي نحو 254.4 مليار دولار في عام 2025، ويتوقع أن يرتفع من 313.95 مليار دولار العام الحالي إلى حوالى 2084.57 مليار دولار بحلول عام 2035، وتُتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت والأدوات الرقمية فرص عمل وموارد مالية مواتية للفنانين والمحررين والكتاب والمسوقين الرقميين، بحسب تقرير نشرته “برسيدنس ريسرتش “precedence research العام الحالي.
رؤية مبسطة
غيّر دخول الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة في هذا السوق ولعب دوراً محورياً في ثورة صناعة المحتوى من خلال جملة من العوامل والأدوات، كالمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي والمؤثرين الافتراضيين وأدوات التحرير الذكية وسرد الشخصيات المولدة بالذكاء الاصطناعي للقصص بأسلوب مقنع، إذ راجت منصات المحتوى المدعومة بالذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة بين المبدعين الأفراد وحتى الشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر ميزات عدة قدمت رؤية مبسطة لعملية إنتاج المحتوى وتطويرها.
وتسارعت خطوات دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى بدءاً من عام 2023، إذ تشير تقارير السوق إلى أن جزءاً من النمو المتوقع لاقتصاد المحتوى حتى 2035، يعود إلى تحسن أدوات الإنتاج التي قللت تكاليف إنشاء الفيديو والنص والصوت والتصميم، وتشير التوقعات إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع قد يدفعه إلى مستويات تتجاوز تريليوني دولار بحلول 2035، الأمر الذي يحول اقتصاد المحتوى إلى مكوّن أساسي في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وتساعد الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك المستخدمين وأحدث الاتجاهات في سوق اقتصاد المبدعين، وتسهم أيضاً في فهم أداء الاتجاهات ووصول المحتوى لاتخاذ قرارات مبنية على البيانات، إضافة إلى أتمتة إنتاج المحتوى ونشره وتوزيعه.
تحولات في الإعلام
اقتصر إنتاج المحتوى، قبل انتشار أدوات الإعلام الجديد ومنصات السوشيال ميديا، على وسائل الإعلام وشركات الإنتاج، لم يكن ليتخيل مذيع أو معد برامج أن باستطاعته تقديم محتواه أو موهبته بصورة منفردة، إذ يتطلب الأمر، إضافة إلى سنوات من التعلم والخبرة، فريق عمل ضخماً ومتكاملاً لوضع الأفكار وصياغة القصص وتحديد الموقع والتصميم والمونتاج والإضاءة، يرافقها متخصصون خارج إطار الإعلام يتولون مهمات مثل الأزياء والمكياج والديكور وغيرها.
لكن مع دخول عصر التدوين الرقمي، بدأت التغيرات تتسلل إلى هذا النهج الإعلامي، وصولاً إلى بزوغ العصر الأول لوسائل التواصل الاجتماعي ومن ثم بدأ تحقيق الربح من خلال برنامج شركاء “يوتيوب”، لنشهد ثورة إعلامية جديدة يديرها أصحاب المحتوى أو “المؤثرون”، توجها تعاون العلامات التجارية معهم للترويج لخدماتهم ومنتجاتهم. والحقيقة أن هذا الشكل من التعاون خلق نموذجاً جديداً في عالم التسويق وتحولاً في مكان وطريقة بحث المستهلكين عن احتياجاتهم، بحيث أدار طريقة توجيه الطلب على المنتج وسرع دورة حياته وعزز قيمته.
دعم صناعة المحتوى
واليوم، لم تعد المنصات الرقمية الكبرى مجرد مساحة لعرض المحتوى، بل هي فاعل حقيقي في تشكيل اقتصاد المحتوى، بما توفره من أدوات إبداعية وخوارزميات، ويأتي دخل صانع المحتوى اليوم من خليط معقد من المكونات، منها إعلانات (حوالى 55 في المئة من إيراداتها) وعوائد المنصة والرعاية المباشرة والصفقات مع العلامات التجارية، وهي تمثل تقريباً 70 في المئة من إجمالي دخل المبدعين متقدمة على حصة المنصة ذاتها، والاشتراكات المباشرة والعضويات في “باتريون” والقنوات المدفوعة والمجتمعات المغلقة، والمنتجات والخدمات كالدورات والكتب والاستشارات.
ووفقاً لبحث أجرته شركة “أكسفورد إيكونوميكس”، أسهمت شركة “يوتيوب” وحدها بأكثر من 25 مليار دولار من الناتج الاقتصادي في الولايات المتحدة عام 2021، وارتبطت بما يعادل 425 ألف وظيفة بدوام كامل، وارتفعت هذه النسبة إلى 55 مليار دولار عام 2024.
في النهاية، بات إنتاج المحتوى اليوم الطريقة الأولى والأهم والأكثر فعالية في التسويق، والتي تحظى بدعم كبير من جهات فاعلة عدة، بعضها حكومية كما في الهند، إذ خططت الحكومة في مارس (آذار) 2025 لإطلاق صندوق بقيمة مليار دولار لدعم صناع المحتوى ومبالغ إضافية للمعهد الهندي للتقنيات الإبداعية في مومباي، بهدف تطوير قطاعي الإعلام والترفيه ودعم ورفع مستوى إنتاجية صناع المحتوى وتعزيز وصولهم إلى الأسواق العالمية.
المصدر: اندبندنت عربية
Up And Down Beirut