من المستفيد من تعطل إمدادات الطاقة من الخليج؟

ارتفعت أسهم شركات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأميركية بقوة، مع استعداد تلك الشركات للاستفادة من الزيادة الصاروخية في أسعار الغاز في أوروبا وآسيا عبر زيادة صادراتها.

وارتفعت أسهم شركة “فينتشر غلوبال” بنسبة 20 في المئة، بينما صعدت أسهم شركة “شينيير إنرجي” بنسبة 5.6 في المئة ، وتستعد الشركتان الأميركيتان، وهما أكبر شركتين لتصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، لضخ مزيد من إنتاج منشآتهما في ولايتي تكساس ولويزيانا للتصدير إلى أوروبا واليابان.

وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بما يقارب 50 في المئة بعدما أدت حرب إيران إلى تعطل تصدير الغاز الطبيعي المسال من قطر، وهي من أكبر موردي الغاز في العالم، إذ أوقفت الدوحة العمل في وحدة تسييل الغاز في رأس لفان نتيجة الهجمات الإيرانية عليها، بينما تمر شحنات الغاز الطبيعي من الإمارات عبر مضيق هرمز الذي يمثل مخاطرة دفعت الناقلات إلى تفاديه.

ووصلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى 44.5 يورو (52.86 دولار) للميغاواط- ساعة، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في بريطانيا إلى 113.39 بنس (1.5 دولار) للمليون وحدة حرارية بريطانية، في المقابل فإن أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة عند 2.96 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية.

ويطرح سؤال الآن في الأسواق، بحسب ما نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” ضمن تقارير وتحليلات عدة أول من أمس الإثنين وأمس الثلاثاء، حول ما إذا كان ممكناً أصلاً تعويض نقص إمدادات الغاز الطبيعي والطاقة عموماً من الخليج، حتى إذا ضخت الولايات المتحدة وصدّرت بأقصى طاقتها؟

وتشير تقارير إعلامية إلى أن بعض المستوردين في أوروبا بدأوا يطلبون من أوكرانيا إعادة فتح خط الغاز الروسي إلى أوروبا، في ظل احتمال تعطل صادرات الطاقة من الخليج، لكن يظل المستفيد الأكبر من تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار شركات الطاقة الأميركية، خصوصاً شركات الغاز.

وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة توصلا في يوليو (تموز) عام 2025، ضمن مفاوضاتهما التجارية، إلى اتفاق على أن تستورد أوروبا منتجات طاقة من أميركا بقيمة 750 مليار دولار.

مقارنة حرب إيران بحرب أوكرانيا

وحين اندلعت حرب أوكرانيا، ومع العقوبات الأوروبية على موسكو بوقف استيراد الغاز الروسي، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا عام 2022 إلى 343 يورو (398 دولاراً) للميغاواط- ساعة، إلا أنه، بحسب تحليل “فايننشال تايمز”، لا يمكن مقارنة صدمة تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط بوقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.

فمقابل إمدادات غاز روسية لأوروبا كانت عند 80 مليار متر مكعب سنوياً، تصل الإمدادات من الشرق الأوسط لأوروبا إلى 120 مليار متر مكعب، ومع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز وإغلاق حقلي غاز إسرائيل في البحر الأبيض المتوسط، يمكن أن تكون الصدمة لأوروبا أكبر بكثير.

لكن الأمر كله يعتمد على مدة تعطل الإمدادات من المنطقة، كما تقول ناتاشا فيلدينغ من “أرغوس ميديا” المعنية بشؤون الطاقة، وإذا كان تعطل الإمدادات لمدة أسبوع مثلاً، فلن يصل الأمر إلى صدمة الطاقة التي حدثت مع حرب أوكرانيا، أما إذا استمر التعطيل نتيجة امتداد الصراع لفترة أطول فإن “التأثير سيكون مماثلاً”.

وترجع أهمية إمدادات الغاز الطبيعي من المنطقة إلى حجم الإنتاج والتصدير من قطر، وهي من أكبر الموردين للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويصل نصيبها من سوقه العالمية إلى 20 في المئة.

ونتيجة عدم وجود خطوط غاز طبيعي كافية، فإن معظم التصدير يتم عبر شحنات على ناقلات من الخليج تمر عبر مضيق هرمز، وهكذا يمر الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات إلى العالم، أما سلطنة عمان فلديها منفذ تصدير غاز على الجانب الآخر من المضيق.

وحتى الآن، لا تبدو صدمة الطاقة مماثلة لما حدث في حرب أوكرانيا قبل أكثر من ثلاثة أعوام، لكن إذا طال أمد حرب إيران فإن صدمة الطاقة قد تكون كبيرة وتؤثر أكثر في المستهلكين في أوروبا وآسيا تحديداً.

المستوردون والمصدرون

لا تستورد أوروبا الغاز الطبيعي المسال سوى 10 في المئة من حاجاتها من قطر، وإن كانت إيطاليا تستورد تقريباً ثلث حاجاتها، أي أكثر من 30 في المئة من قطر ، لكن مجرد غياب القدر الأكبر من الغاز القطري عن السوق سيعني منافسة كبيرة على المتاح من مصدرين آخرين، مما يعني ارتفاع الأسعار، وسيكون التنافس على أشده من قبل دول آسيا.

والصين والهند هما أكبر مستوردين لصادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، تليهما تايوان وباكستان وكوريا الجنوبية، وعام 2025 استوردت باكستان 99 في المئة من حاجاتها من قطر والإمارات ، وبحسب بيانات وأرقام شركة “كيبلر إنسايتس” لمتابعة الناقلات، فإن الهند وبنغلاديش استوردتا أكثر من نصف حاجاتهما من الغاز الطبيعي المسال من المنطقة أيضاً.

 

وبالنسبة إلى بريطانيا، كانت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال إليها، ووصلت الصادرات القطرية إلى ذروتها عام 2011 لتشكل 40 في المئة من حاجات المملكة المتحدة من الغاز الطبيعي، لكن منذ حرب أوكرانيا زادت الولايات المتحدة صادراتها إلى بريطانيا وأوروبا لتعويض توقف استيراد الغاز الروسي.

وبحسب الإحصاءات والأرقام الحكومية البريطانية، فإن واردات الغاز الطبيعي عام 2024 من الولايات المتحدة كانت تمثل 17 في المئة من حاجات البلاد، بينما انخفضت الواردات من قطر إلى 1.9 في المئة. أما القدر الأكبر من الغاز إلى بريطانيا فجاء من النرويج التي أصبحت أكبر مصدر للبلاد.

من يعوض غاز الشرق الأوسط

وبحسب نموذج تحليلي لمعهد “أكسفورد” لدراسات الطاقة العام الماضي، فإن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة ستنتج منه خسارة ما يصل إلى 86 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، أي ما يزيد على 15 في المئة من الإمدادات العالمية.

فمن يمكنه أن يعوض هذا النقص في الإمدادات ويستفيد أيضاً من ارتفاع الأسعار لتحقيق عائدات وأرباح بالمليارات؟ تأتي الولايات المتحدة وشركاتها في مقدمة المستفيدين، لكن أميركا تنتج بأقصى طاقتها خلال الفترة الأخيرة، وربما لا تستطيع تعويض النقص، برأي المحللين.

كذلك فإن خطوط أنابيب الغاز الروسي إلى الصين تعمل بأقصى سعة حالياً، ومن ضمن الخيارات المطروحة أن تؤجل أوروبا خططها لوقف ما بقي من إمدادات الغاز الروسي إليها، إلا أن المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية آنا–كاسيا إيتكونين قالت إنه “لا يوجد نقص ولا توجد حال طارئة” تبرر الإبقاء على الإمدادات الروسية، بحسب ما ذكرت الصحيفة البريطانية.

ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من تعطل إمدادات الشرق الأوسط، فأميركا هي أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، وغالبية صادراتها يجري التعاقد عليها بطريقة “حرية الحمولة”، أي إن شحناتها على الناقلات لا تقصد وجهة محددة نتيجة عقود توريد طويلة الأجل، بالتالي يمكن للتجار إعادة توجيه الشحنات إلى الأسواق الأكثر إغراء من حيث السعر والعائد.

ومن بين الدول الأخرى المصدرة للغاز الطبيعي التي يمكن أن تستفيد من تعطل إمدادات الشرق الأوسط النرويج، فضلاً عن الجزائر وأذربيجان أيضاً، ومع ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي المسال في ظل تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط، قد نجد بعض المصدرين ينقضون عقودهم المسبقة للاستفادة من ارتفاع الأسعار نتيجة المنافسة، خصوصاً أن أية شروط جزائية في العقود لن تكون كلفتها أكبر من الأرباح التي يجنونها من البيع بأسعار أعلى.

المصدر: اندبندنت عربية

شاهد أيضاً

الـ”كريبتو” تمتص صدمة الحرب وتنتقل إلى المربع الأخضر

بعد موجة من النزيف، عادت العملات المشفرة إلى المربع الأخضر مع استقرار “بيتكوين” أعلى من …