“عيون بيروت” رواية الحب في زمن الاضطراب

اللافت في عنوان الرواية أن الكاتبة أضافت عنواناً رديفاً، بالحرف الصغير “سر اللمعة في العينين”، وهو “موتيف” سنراه متواتراً لدى كل من الشخصيات الأربع، بل الخمس (الراوية العليمة ولمياء ورامي وكنان ووالدة الراوية) الذين صاغت بهم الكاتبة حكايتها وأحداثها. وهي تعني، على الأرجح، أن يكشف كل من هؤلاء عن عمق مشاعره، ويحيا ملء حياته في انسجام مع قناعاته وحقيقته الروحية السامية، على ما تقوله الآية من إنجيل متى (6:23) “فإنْ كانَ النورُ الذي فيكَ ظلاماً فالظلامُ كمْ يكونُ!” التي استهلت الكاتبة بها الرواية (صفحة 7).

تستهل الرواية بمشهد تقدم فيه شخصية تدعى لمياء، وهي صديقة الراوية، روايتها الأولى، مدعية أنها إنما كتبت روايتها لتسمع صوتها هي، و”لأمنح الحكاية وجهة نظر أخرى” (صفحة 9). وسيدرك القراء أن ذلك المشهد هو الختام الحقيقي للرواية، بدليل زمن حصوله عام 2022، في حين يسجل المشهد الثاني عودة للوراء، (2018-2019)، حين لم تكُن لمياء تملك مصيرها، بل كانت مدمنة على علاقتها الغرامية غير السوية برجل يكبرها بـ25 سنة، يدعى “رامي”، وقد تعرف إليها في العمل بدار النشر حيث يعملان، وكان انتهى لتوه من رواية بعنوان “لعنة الحب”.

ويتبين من سياق الأحداث أن رامي هذا كان حاول خطب ود الراوية والإيقاع بها، إلا أنها أدركت سريعاً ألاعيبه وردته خائباً.

 

ويحدث أن تلتقي صدفة بالشابة لمياء، في أحد معارض الكتب بمدينة بيروت وتكون فيه مسؤولة عن مبيعات الدار، فتدرك الراوية بعد تنامي العلاقة بينها ولمياء، حقيقة المأزق الذي تعيشه الأخيرة في العمل، ومدى تورطها مع رامي الذي بدا أنه يستغل إنجازه الروائي الأول في جذبها وإيقاعها بحبائله، فتنبهها إلى حقيقة الاستغلال العاطفي الذي صارت ضحيته، وتحاول إقناعها بضرورة الابتعاد من هذه العلاقة السامة، والانصراف إلى التعبير عن نفسها بكتابة الرواية.

 

الشخصيات الضحايا

ولدى النظر في طبيعة الشخصيات التي تتفاعل في الرواية، يتبين الآتي، فالراوية العليمة التي تعرف نفسها باعتبارها كاتبة أيضاً، والعاملة مترجمة وكاتبة. وهي وقعت ضحية لعشق خادع من قبل زميل لها يدعى رامي.

 

إلا أن إرادتها القوية جعلتها تتغلب على فعل التحرش الغرامي، إن صح التعبير. وكان سبق لها، في طفولتها، أن شهدت مقتل أبيها لأنه قام بفضح الفاسدين في الدولة وناهبي ثرواتها تحت غطاء إعادة إعمار الوسط التجاري، بعد انتهاء الحرب الأهلية، فيما سيكون رامي، بدوره أحد ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب)، إذ يصاب بإحدى يديه، ويضطر الأطباء إلى بترها.

 

وفي المقابل، يتبين من سياق الأحداث أن كنان، صديق الراوية وحبيبها لاحقاً، كان الناجي الوحيد من أفراد عائلته الأربعة الذين قضوا احتراقاً إثر سقوط قذيفة على المنزل حيث هم، إبان الحرب الأهلية.

 

أما لمياء، وإن بدت ضحية خداع رامي لها، فإنها تعالت على هذا الخداع، وبقيت وفية له ولذكرياتها معه، على رغم اشتداد تنكره لها ومحاولته خنقها ذات مرة، إلى أن تنبهت لوضعها وقد صورها (رامي) في روايته “لعنة الحب” فاضحاً إياها أمام القراء من زملائها وزميلاتها، في تفاصيل علاقتهما الغرامية، وعزمت على تصويب مسلكها، واستعادت زمام نفسها، بالكتابة وسرد حياتها في أول رواية لها.

 

نموذج عشق متكلف

من وجهة نظر الراوية العليمة، والكاتبة، على ما نظن، ثمة نوعان من العشق، وفقاً لتصرف الشخصيتين الذكرين، أعني رامي وكنان، فالأول يذهب في تطلبه من عشيقته لمياء، الاستجابة المباشرة والتهديد بمحاكاة نموذجه العشقي فرتر، في رواية “آلام الشاب فرتر” للكاتب والشاعر الألماني غوته الذي حقق وعيده بالانتحار إثر صد محبوبته شارلوت له، وزواجها خطيبها ألبيرت.

 

ولكن هيهات، فرامي هذا كان متصنعاً الحب، ومتقنعاً بنموذجه فرتر الذي تعرفه لمياء وتقدره. فيما تصور الكاتبة نموذجاً واقعياً في الحب متمثلاً في شخص كنان، زميلها المصور والحامل في ذاته صفات الوفاء للحبيبة والإصغاء لها وتقديرها كما هي في واقعها، على نحو ما ورد في الرواية.

 

ولئن بدا نموذج الكاتبة المفترض، المتمثل في فرتر، متكلفاً بعض الشيء وفائقاً سياقه، فإنه وفر لها وجه المقارنة والمقابلة بين نموذجين متعارضين، وأضفى طابعاً من التطلب الثقافي، لم يبدُ شاملاً في الرواية ذات الطابع الواقعي- النفسي والأليف. وعلى هذا، تبني الكاتبة وقائعها على أساس الردود المفترضة التي يمكن أن تصدر عن النموذجين، وعن الشخصيتين النموذجيتين الأنثويتين، أي لمياء والراوية التي تتلبس ذات الكاتبة، حتى ليمكن القول إنهما كائن واحد، بدليل اتفاق بعض الصفات المنسوبة لها مع الحقيقة الواقعية مثل أنها كاتبة روائية “ناجحة”.

 

تخص الكاتبة القسم الثاني من الرواية، أي المشاهد الـ17 الباقية (15-33) بالأحداث التي سبقت الانفجار الكبير في المرفأ (الرابع من أغسطس عام 2020)، أعني بها التظاهرات التي أعقبت الإعلان عن رفع سعر بطاقة الخليوي، وما رافقها من تدهور للعملة الوطنية.

 

وزاد الطين بلة انتشار جائحة كورونا التي أجبرت الناس على التزام منازلهم، والامتناع عن مخالطة الغرباء والأقرباء على السواء. وفي هذا الشأن، تفلح الكاتبة في جعل الراوية العليمة تدلي بدلوها الخاص، وتروي جوانب من تجربتها الشخصية مع الانفجار، وما أصاب منزل والدتها، شأن عشرات آلاف المنازل والمؤسسات في المدينة وجوارها، في قطر يبلغ أربعة كيلومترات، عدا عن القتلى الـ250، والـ7 آلاف جريح، من تحطيم لزجاج النوافذ كلها، ونفاد ألواح الزجاج من البلاد.

 

وكان سبق للراوية أن روت كيف أنها تعثرت يوماً بسلسلة حديدية أمام موقف للسيارات، وجرحت شفتها ووجهها، فسال الدم غزيراً، وراحت تبكي بكاءً مريراً لاختلاط دمها بمن سالت دماؤهم عبثاً في الانفجار المشؤوم، وكيف أن أعداداً غفيرة من المتطوعين الشباب تدفقوا إلى المناطق المنكوبة لإغاثة السكان، ورفع الركام عن الطرقات والمنازل. ومع هذا أتيح لصديقها كنان أن يلتقط صوراً لطفل كان أضاع والديه لحظة الانفجار، فوجد والده الذي كان لا يزال حياً، ولكن جريحاً في مستشفى أوتيل ديو، في حين قتلت الأم.

 

أفلحت الكاتبة عزة طويل في مد روايتها الواقعية- النفسية بشيء من الحدس، أو الفانتازيا، بأن جعلت إحدى غاياتها التعبيرية الكلام على العيون، بدلالاتها الرمزية المتصلة بالحبكة القصصية، وعنيتُ إصرار كل من رامي على إبلاغ إرادته تملكه العشقي للمياء من خلال مخاطبة عينيها، “سأمتلىء بها كل يوم أكثر، حتى تصبح عيناها في عيني، ويصبح بريقهما لي” (صفحة 30)، وإعداد كنان معرضه التصويري الإلكتروني بعنوان “عين التغيير”، أبرز فيها صوراً لمتظاهرين بعين واحدة، أو بعينين، أو عيني فتاة مرتعبة، ذلك أن “العين مدخل إلى الروح، إذا لم تُفقأ” (صفحة 159)، في غمز من قناة السلطات في حينه التي واجهت المتظاهرين بالرصاص المطاط، وبما يفقد الكثير منهم البصر.

 

أيّاً يكن، تسجل الروائية في عملها الثاني بعد “لا شيء أسود بالكامل” خطوة في مسارها الكتابي الطموح.

المصدر: اندبندنت عربية

شاهد أيضاً

“العادلون”… صرخة ألبير كامو ضد قتل الأطفال

في هذا الزمن الذي يعم فيه الإرهاب والإرهاب المضاد في أنحاء عديدة من العالم. الزمن …