دونالد ترمب… رئيس صُنع في أميركا

ملخص

يسري في كتاب إدوارد ستورتون هذا التوتر بين الولايات المتحدة المستنيرة والولايات المتحدة المعادية لليبرالية، بحسب ما يرى تشارلي إنغليش، “ففي القرن العشرين مثلاً، كان يحلو للرؤساء الأميركيين تعريف أمتهم بأنها معادية للإمبريالية، بما يعطي انطباعاً بأن طمع ترمب اليوم في كندا وغرينلاند خروج على المألوف. لكن التوسع في الأرض لطالما كان هدفاً أساسياً للولايات المتحدة خلال أغلب القرن التاسع عشر.

منذ أن استيقظنا على نبأ اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية تبدو أقرب في تخطيطها وتنفيذها وعرضها على العالم إلى أن تكون من إنتاج هوليوود لا من إنتاج البنتاغون، ينظر المرء بشيء من المرارة، إلى تهافت كبرى الصحف الأميركية والبريطانية، التي أتابعها على الأقل، في الأيام القليلة الماضية على أساتذة القانون والعلوم السياسية والمؤرخين وكل من تتصور هيئات التحرير أن لديهم نصيباً من الحكمة، فتستكتبهم على أمل العثور على قشة يمكن أن يتشبث بها العالم الآن بعد أن قرر دونالد ترمب أن ينضم بالولايات المتحدة إلى معسكر ما يُعرف بـ”الدول المارقة”، فلا يقيم وزناً للقوانين الراسخة، أو العهود الدولية الموقعة منذ عقود، أو الأعراف المعمول بها، أو حتى البديهة والفطرة الإنسانية السليمة المشتركة بين أغلب البشر، فيستعمل القوة العسكرية في اختطاف رئيس دولة، وفرض هيمنته على بلده معتزماً إدارتها، ثم يمضي ليلقي تهديدات أخرى لا ينبغي أن يتصورها المرء من دولة رشيدة، حينما يتحدث عن ضم غرينلاند مثلاً.

ولا يملك المرء أيضاً إلا النظر بمرارة إلى هؤلاء الحكماء والأكاديميين إذ يلوذون بالتاريخ باحثين عما قال أمثال توماس الأكويني عن أخلاقيات الحروب العادلة، أو يذكروننا بالدروس التي استخلصها التاريخ من أسباب نشوب الحربين العالميتين، أو القواعد التي من أجلها أقيمت عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة. ولا أعرف بالضبط هل السبب في هذه المرارة هو أن التاريخ كان بين أيدينا طوال الوقت، وكانت دروسه معروفة، ولكن أحداً لم يلتفت إليها أو يأخذها قط مأخذ الجد، أم أن المرارة ناجمة عن يقين بأن استدعاء التاريخ مرة أخرى لن يفضي بنا إلى شيء إلا مزيد من الحسرات على حال عالمنا؟

“الانحلال الكبير”

فـ”ها قد بدأ الانحلال الكبير” كما جاء في عنوان مقالة في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية قبل أيام، قالت فيه أونا آيه هاثاواي، أستاذة القانون والعلوم السياسية في جامعة ييل، إن اختطاف مادورو “عدوان صارخ على النظام القانوني الدولي، يهدد بإنهاء حقبة من السلام التاريخي والرجوع إلى العالم الذي لا يكون الحكم فيه إلا للقوة. ولن يكون ثمن هذا إلا من حياة البشر”.

وها قد “أطلق ترمب العنان لقوة لا سيطرة له عليها” على حد عنوان الكاتب ديفيد فرينش في “نيويورك تايمز” أيضاً. وقد جاء في مقال فرينش أن ما فعله ترمب في فنزويلا الواقعة في “منطقة نفوذ الولايات المتحدة” يمثل “سابقة ستحرص دول أخرى من قبيل روسيا والصين وإيران على اتباعها في مناطق نفوذها، ولن يكون لنا حق الاعتراض حين يتبنى خصومنا مع البلاد التي تقع في مجال نفوذهم مثل النهج الذي اتبعناه مع دولة في مجال نفوذنا”.

ووسط صدمة العالم مما فعله دونالد ترمب، تساءل عنوان مقالة ثالثة في صحيفة “ذي غارديان” البريطانية: “لماذا الدهشة مما فعله ترمب في فنزويلا؟ هذا دأب الرؤساء الأميركيين”. وفي هذه المقالة الأخيرة بالذات، انطلق الكاتب سيمون جينكنز من المرارة والغضب إذ مضى يعدد، في عجالة كلمات مقاله الألف تقريباً، نزراً يسيراً من نماذج ازدراء الرؤساء الأميركيين الموروث للقانون الدولي وأعراف الدبلوماسية. ويبدو أن هذا الأمر يطول فلا يمكن أن يستوعبه مقال من ألف كلمة، إذ صدر حديثاً للكاتب والإعلامي إدوارد ستورتون كتاب في نحو 250 صفحة بعنوان “صُنع في أميركا: التاريخ الأسود الذي أفضى إلى دونالد ترمب” عن دار نشر تروفا.

يستهل الكاتب تشارلي إنغليش استعراضه للكتاب (ذي غارديان-5 يناير/ كانون الثاني 2026) بنقله عن ستورتون قوله في مقدمة الكتاب إنه “ما من أحد تقريباً إلا ويكن شيئاً من الحب للولايات المتحدة الأميركية”. ويتساءل: “لمَ لا؟ وهي أرض المرح والمثل العليا وموسيقى الجاز وبوغارت وبيكول [في هوليوود] وهاريين توبمان [منقذة المستعبدين] وهاملتن [من الآباء المؤسسين]، هي أمة كانت مناهضة للاستعمار مناصرة للحرية منذ نشأتها، وينص ’إعلان الاستقلال‘ لديها على أن ’جميع البشر خلقوا متساوين‘. فلماذا إذاً كثيراً ما ينتج هذا البلد نفسه سياسات مهرجين، وعنصرية محلية وعالمية، ومطامح إمبريالية تجلت أخيراً في غرينلاند وكندا؟ ولماذا دأب هذا البلد على أن يبدي الازدراء للنظام العالمي الذي أسهم في تكوينه؟ ولماذا انتُخب دونالد ترمب مرتين؟”.

ليس انحرافاً بل استمرار

“على مدى أجيال انشغل بهذه الأسئلة جيش جرار من الصحافيين ومتابعي البيت الأبيض والعرّافين. ولعل أليستر كوك، وهو أعظم بريطاني يمثل هذا النوع، قد فسر الولايات المتحدة من خلال دقائق وتفاصيل الحياة اليومية، فراقب الناس على الشاطئ أو وهم في قطارات الأنفاق. ثم جاء سورتون، وهو أيضاً من المخضرمين في هيئة الإذاعة البريطانية، وكان أول عمل له أنه قام بتغطية العاصمة واشنطن خلال سنوات رونالد ريغان، ليتبني نهجاً مناقضاً. فهو ينظر إلى دونالد ترمب والترمبية من خلال منظور تاريخي، في سلسلة من المقالات العميقة التي يقول فيها إن الرئيس السابع والأربعين ليس شذوذاً أميركياً أو انحرافاً أو استثناءً، وإنما هو استمرار، وصدى لجوانب مقبضة، غالباً ما يجري إغفالها في ماضي البلد. ويخلص إلى أن دونالد ترمب ’أميركي بقدر فطيرة التفاح‘”.

يتناول إدوارد ستورتون – الذي يقدم حالياً برنامج “صنداي” المعني بالشؤون الدينية والأحداث الجارية في المحطة الإذاعية الرابعة – ستة جوانب أساسية في دونالد ترمب والترمبية، ويغربل تاريخ الجمهورية الأميركية بحثاً عن مؤشرات للترمبية أو تماثلات معها. وبصفة عامة، يتناول إدوارد ستورتون الدين والإمبريالية والهجرة والرسوم الجمركية والاضطهاد السياسي وطريقة ممارسة الرئيس للسلطة. وقد يكون طبيعياً في ضوء خبرة إدوارد ستورتون أن يستهل بحثه بالإيمان الأميركي.

يكتب تشارلي إنغليش أنه من المربك لمن يعيشون خارج أرض ترمب أن يشكِّل القوميون المسيحيون قسماً كبيراً من المخلصين لحركة “ماغا” (وهي اختصار لعبارة ’استعادة العظمة لأميركا‘)، “إذ كيف لامرئ أن يزعم أنه يتبع القيم المسيحية ويتحالف في الوقت نفسه مع شخص واضح الفساد منعدم الأخلاق؟ بحثاً عن إجابة، يرجع إدوارد ستورتون إلى أميركا الاستعمارية في زمن جون وينثورب الذي رسا على ساحل مدينة سالم بولاية مساتشوستس في عام 1530 على رأس مجموعة من 700 مستوطن إنجليزي منتمين إلى المذهب البيوريتاني (الطهراني)، وكان جون وينثروب أول من وصف المستعمرة الدينية الجديدة التي اعتزم تأسيسها بأنها ’مدينة على التل‘ فراجت هذه الصورة على ألسن رؤساء أميركيين منذ ذلك الحين، بدءاً بجون كينيدي ودونالد ريغان وباراك أوباما [باعتبار أنها استعارة للولايات المتحدة كلها]. عمل جون وينثروب سنين كثيرة حاكماً لمستعمرة “مساتشوستس باي” حيث كان هو ورفاقه في الدين يحكمون على المعارضين بالجلد وبالنفي وبالإعدام. وكان لهذا في رأي وينثورب ما يبرره، لأن الغاية من الدولة في نظره إنما تتمثل في تنفيذ القوانين الإلهية، ولو من خلال القسوة إذا لزم اللجوء إلى القسوة.

ويرى تشارلي إنغليش ما يتشابه مع تلك النزعة في الزمن الراهن تشابهاً واضحاً. “فالقوميون المسيحيون سيدعمون ترمب ما بقي يساعدهم على رد أميركا، التي تأسست على المبادئ الإلهية، إلى مسيحيتها التي كانت عليها، وهو يفي بهذا الجانب من الصفقة من خلال أعمال من قبيل تعيين قضاة المحكمة العليا الذين نقضوا قرار رو ضد ويد [الذي كان يتعلق بمسألة الإجهاض]. وبالنظر عبر عدسة الطهرانية الأولى، يبدو التحالف أشد منطقية مما يبدو عند النظر إليه عبر عدسة الدستور الذي لم تعرف أميركا ضماناته للحرية الدينية إلا بعد قرن ونصف القرن”.

 

بين الليبرالية وأطماع التوسع

يسري في كتاب إدوارد ستورتون هذا التوتر بين الولايات المتحدة المستنيرة والولايات المتحدة المعادية لليبرالية، بحسب ما يرى تشارلي إنغليش، “ففي القرن العشرين مثلاً، كان يحلو للرؤساء الأميركيين تعريف أمتهم بأنها معادية للإمبريالية، بما يعطي انطباعاً بأن طمع ترمب اليوم في كندا وغرينلاند خروج على المألوف. لكن التوسع في الأرض لطالما كان هدفاً أساسياً للولايات المتحدة خلال أغلب القرن التاسع عشر. فكان شراء لويزيانا في عام 1803 هو الذي أرسى النموذج. إذ اشترى توماس جيفرسن، رئيس الولايات المتحدة الثالث، 530 مليون فداناً من نابليون، تشكل 15 من ولايات البلد اليوم. وهكذا تضاعف حجم البلد بين عشية وضحاها. وطبعاً لم تكن تلك الأرض ملكاً لفرنسا حتى تبيعها، فملّاكها الحقيقيون يقدَّرون بنحو نصف مليون من سكان أميركا الأصليين. لكن صفقة توماس جيفرسن حددت مسار ’قرن المصادرة‘ والتطهير العرقي التالي”.

وبعد أربعة عقود، قامت الولايات المتحدة بتوسع هائل آخر، إذ أرغمت المكسيك على التنازل عن أكثر من نصف أرضها، ومنها كاليفورنيا، ونيفادا، وأغلب أريزونا، ونيومكسيكو المعروفة اليوم، فضلاً عن أجزاء من ولايات كولورادو، ووايومنغ، وأوكلاهوما. “وإجمالاً، ثمة قرابة 20 واقعة توسع أميركي في القرن التاسع عشر منها محاولتان لضم كندا”. وبحسب ما يكتب إدوارد ستورتون، فقد “لجأت الولايات المتحدة إلى ’كل حيلة ممكنة لتحقيق مطامحها‘، بما في ذلك الصفقات العقارية، والمعاهدات، والممارسات الدبلوماسية الحادة، والاستئساد، والتطهير العرقي، والغزو ’ودائماً كانت الصدارة للنتيجة، أما الوسيلة فكانت دائماً أقل أهمية‘”. ويستمر هذا إلى الآن، فبينما يدور الحديث عن الاستيلاء على غرينلاند يخرج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتهدئة الأجواء، فلا ينفي هذه المزاعم جملة وتفصيلاً، ولكنه يوضح أن الولايات المتحدة تريد شراء غرينلاند من الدنمارك.

“ثمة سوابق في هذا الكتاب لكل أفعال ترمب تقريباً. الاعتقال والترحيل التعسفي؟ والهجوم على إعلام ’الأخبار الزائفة‘؟ في عام 1789، وقع الريس الأميركي الثاني جون آدمز قانونَي الأجانب والفتنة اللذين أتاحا له سجن الأجانب أو إبعادهم دونما محاكمة، وحظر ’الكتابات الكاذبة والمغرضة‘ ضد الرئيس والحكومة. ازدراء القضاة والقانون؟ انظروا إلى الرئيس السابع آندرو جاكسون الذي يصفه ستورتون بـ’الوحش‘ ويصفه ترمب بالبطل. رفض جاكسون تنفيذ حكمٍ للمحكمة العليا لم يرق له، ويُنسب إليه قوله في حق رئيس المحكمة إن ’جون مارشال قد أصدر قراره، فليرنا الآن كيف سينفذه‘. الرسوم الجمركية؟ رفع الرئيس وليم مكينلي رسوم الاستيراد بقرابة 50 في المئة، أي إلى المستوى الترمبي، متسبباً بعواقب وخيمة على الحزب الجمهوري. منع المهاجرين المسلمين؟ يشير إدوارد ستورتون مرة أخرى هنا إلى وينثروب الذي كان نظامه يفرض عقوبات بناءً على الهوية أو الطائفة التي ينتمي إليها الشخص، ويطالب الغرباء الراغبين بالإقامة في مساتشوستس أن يحصلوا على تصريح”.

في بعض الأحيان يبدو في محاولة العثور على سابقة تاريخية لنعرة راهنة بعض من المبالغة، ولعل أضعف محاولات إدوارد ستورتون يتمثل في ربطه بين استعمال ترمب الدولة في معاقبة أعدائه وبين مكارثية خمسينيات القرن الماضي. “صحيح أن ثمة تماثلات في إساءة استعمال الإجراءات الحكومية، لكن الحالتين مختلفتان تماماً. فترمب ـ أقوى رجل في أميركا ـ يتحرك بدافع الثأر الشخصي، فيأمر بمقاضاة من يرى أنهم أساؤوا إليه أوهى الإساءات. أما مكارثي الذي لم يرتق قط إلى منصب أعلى من منصب عضو مجلس الشيوخ فليس له تاريخ شخصي معروف مع كثير ممن استهدفهم”.

تثني إريكا واغنر بوضوح على الكتاب في استعراضها له (صحيفة الـ ’أوبزرفر‘ – 7 يناير/ كانون الثاني 2026)، فتكتب أنه حتى مَن يلمون بالتاريخ الذي يستحضره ستورتون قد يندهشون إذ يرونه كله مبسوطاً بين أيديهم بهذه البراعة، “حتى ليحق لهم أن يقولوا آسفين إنه لا جديد تحت الشمس. فكل ما يفعله دونالد ترمب وإدارته له سابقة في تاريخ أميركا وأصل قديم، على رغم أنه يبدو لا خارجاً على القانون الأميركي والدولي فقط، وإنما على الفطرة الإنسانية البسيطة والمبادئ التي تبدو بديهية”.

“غير أن المرء قد يوجه نقداً للكتاب في تركيزه على ترمب، فلا يذكر الكاتب شيئاً عمَن يقودون أجندته الماضية في عكس مضي الزمن: أي مستشاريه المقربين من أمثال ستيفن ميلر وراسل فاوت. لكن لعل ذلك يستحق كتاباً آخر”.

“صُنع في أميركا” بصفة عامة دراسة فكرية موجزة ممتعة مفيدة بمعلوماتها الغنية. “وينجح ستورتون في الإقناع بأن ترمب نتاج منطقي للتاريخ الأميركي، وممثل حديث للتيار الإمبريالي المعادي لليبرالية في السياسة الأميركية ونقيض صارخ للقيم الدستورية المعروفة”، لكن قد يجدر بنا ونحن نقرأ هذا الكتاب أو نقرأ عنه، ألا ننسى ما كتبه إدوارد ستورتون في مقدمته للكتاب، فقد قال إنه كان يرمي وهو يشرع في تأليفه إلى أن يثبت أن فهم دونالد ترمب أمر لا يمكن أن يتحقق بغير فهم ماضي أميركا، ولكنه انتهى إلى أنه “ليس من الممكن فهم أميركا دونما فهم ترمب”.

العنوان: Made in America: The dark history that led to Donald Trump 

تأليف: Edward Stourton 

الناشر: Torva

المصدر: اندبندنت عربية

شاهد أيضاً

الحركة الثقافية – انطلياس افتتحت الدورة الـ 43 لمهرجان الكتاب

وطنية -افتتح المهرجان اللبناني للكتاب، الذي تنظمه الحركة الثقافية في انطلياس، دورته الـ 43، في …