
لعل رواية “الجبل السحري” لتوماس مان هي أهم رواية ألمانية في القرن الـ20، وتنتمي الرواية، في ظاهرها في الأقل، إلى رواية التنشئة (bildungsroman)، أي الرواية التي ترصد تطور بطلها من الطفولة أو الصبا وحتى نضجه.
و”الجبل السحري” حياة بطلها هانز كاستورب منذ وصوله إلى مصحة السل في زيارة كان ينبغي أن تستغرق أسابيع ثلاثة فامتدت إلى سبعة أعوام، قضاها كاستروب على جبال الألب في غمار نقاشات للثقافة والحضارة والدين والأخلاق والإنسانية في الأعوام السابقة للحرب العالمية الأولى.
وفي مستوى آخر، تقدم الرواية بحسب سوزان بينوفسكي “ذي نيشن” الـ19 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 “قصة ساخرة مرحة الأسلوب لما يمكن أن يحدث لمجموعة شخصيات من مختلف أنحاء العالم تنعزل لشهور كثيرة بين جدران مصحة في أعلى جبال الألب، معزولين عن حياة ’الأراضي المستوية‘ بفواصل جغرافية وفي الوقت نفسه روحية وجودية”.
تقطع بينوفسكي، وقد يتفق قراء “الجبل السحري” معها، بأن قراءة الرواية لا تحتاج إلى هوامش أو إضاءات كثيرة من خارجها، فهي في النهاية ليست “عوليس” أو “البحث عن الزمن المفقود” وإن كانت مثلهما من أهم روايات القرن الـ20، “غير أن تذوقها على نحو أعمق لا يتيسر إلا لمن يمكنهم الغوص في إشاراتها التاريخية والفلسفية، التي غالباً ما تكون بالغة الرهافة، وقد تكون مربكة لمن لا يلم بالسياق الثقافي والسياسي لألمانيا في القرن الـ20، وعلى كثرة الدراسات الأكاديمية للرواية، فقد كنا نفتقد دليلاً يسيراً متاحاً خارج قاعات الأكاديمية”.
ولعل هذه الضالة وجدت أخيراً في كتاب صدر عن مطبعة جامعة ييل للباحث والناقد الأميركي الدنماركي الأصل مورتن هوي يينسن بعنوان “سيد التناقضات: توماس مان وتأليف الجبل السحري”.
والكتاب كما ترى بينوفسكي “حافل بالمعلومات، مكتوب بأسلوب شيق، فهو بالضبط التقدمة التي يحتاج إليها محبو رواية توماس مان في العالم الأنغلوفوني، وهو ليس سيرة أو عملاً تاريخياً أو مقالة عن الرواية لكنه يقدم القدر الكافي من ذلك كله ليضع قارئ ‘الجبل السحري’ في السياقات التي شهدت تأليف الرواية وتدور فيها أحداثها”.
في استعراض للكتاب نشر في “ذي جارديان” في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 يكتب كريس باور أن توماس مان كتب في رسالة إلى أندريه غيد عام 1924 “أنه سيبعث عما قريب نسخة من روايته الجديدة “الجبل السحري” وقال ’لكنني أؤكد لك أنني لا أتوقع منك على الإطلاق أن تقرأها، فهي إشكالية للغاية، وألمانية جداً، وفيها تلك الأبعاد الرهيبة التي أعلم تمام العلم أنها لن تلائم بقية أوروبا‘”.
وعلى رغم الشكوك التي أعرب عنها مان لصديقه أندريه غيد، لقيت “الجبل السحري”، وهي الرواية الشديدة الغرابة والشديدة الطول، “رواجاً في أوروبا كلها، ثم قوبلت بعد ثلاثة أعوام برواج مماثل في أميركا أيضاً، إذ تجاهل ناشرها هناك غرابتها، وأشار في إعلانه عنها إلى ’قيمتها العملية لحياة الإنسان الحديث‘، وعلى رغم أن هذا يجعلها أشبه بفلسفة جوردان بيترسن الضحلة، فإنها تقف في واقع الأمر كتفاً بكتف مع ’البحث عن الزمن المفقود‘ و’عوليس‘ و’رجل بلا خصال‘ و’صوب المنارة‘ بوصفها من ذرى الحداثة في الأدب”.
في دراسته للرواية ولمؤلفها، ينظر مورتن هوي يينسن إلى توماس مان عبر عدسة التناقض، باعتبار أن التناقض هو جوهر ذلك الكاتب، “فهو فنان، لكنه كان يتبنى في المسلك والملبس نمط رجال الأعمال، وهو مثلي الميل الجنسي لكنه تزوج زيجة عادية وكان له فيها ستة أبناء، وهو مواطن عادي لكنه كان مهووساً بالموت وبالفساد، فضلاً عن كونه الرجل الذي قد يبعث إلى شخص كتاباً وينبئه مسبقاً أنه لن يقرأه”.
ومن مظاهر التناقض أيضاً أن “الجبل السحري” في الأصل كان ينبغي أن تكون نوفيلا، ولعلي أسمع شهقات كل من قرأ الرواية في ترجمتها العربية أو لا يزال ينظر في تردد إلى صفحاتها الألف على رف مكتبته، مع هذا، يقول يينسن إن “الجبل السحري” في الأصل كان مقصوداً أن “تكون رواية قصيرة، ونغمة مصاحبة خفيفة لكآبة رواية ‘الموت في فينسيا’، لكن توماس مان بدأ كتابتها عام 1913 ثم لم ينته منها لأكثر من عقد من الزمن، وبين النقطتين غيرت الحرب العالمية الأولى حجم الكتاب تغييراً كلياً، وكذلك نطاقه، ومزاجه، لأنها غيرت كلياً نظرة الكاتب السياسية والأخلاقية”.
يكتب كريس باور أن الحرب العالمية الأولى بدأت “وتوماس مان رجل محافظ متشدد، وبحلول أوائل العشرينيات، كان يلقي الخطب دفاعاً عن جمهورية فايمار، وبمرور الوقت، أصبح مان أبرز معارض ألماني للرايخ الثالث، وكان هذا الاضطراب مادة خصبة للجبل السحري، وبخاصة في شخصيتي لودوفيكو سيتيمبريني (ذي النزعة الإنسانوية) وليو نافتا (اليميني الراديكالي) المتنافسين على روح كاستورب، والنقاشات التي تجري بين الاثنين مربكة، بل إنها أشد إرباكاً من تغيير المواقع السياسية الذي طرأ على مان خلال كتابته الرواية، وعلى رغم أن يينسن لم يقصد ذلك، فإن سرده الدؤوب لتحول آراء مان السياسية يدعم النظرية القائلة بأن الرواية قد تعرف أكثر مما يعرف مبدعها”.
يقول يينسن في حكيه لكيفية تأليف “الجبل السحري”، بحسب ما ترويه عنه سوزان بينوفسكي، إن “مان بدأ كتابة الرواية بعيد زيارة إلى زوجته كاتيا مان في ديفوس حيث كانت في نقاهة من مرض رئوي، فبدا له المكان فوراً صالحاً لأن تدور فيه أحداث نوفيلا تكون نصاً مرافقاً لـ’الموت في فينسيا‘ التي كانت على قصرها وضآلة حجمها ثقيلة وكئيبة، تقطر منها سخونة شوق يائس، في حين كان ينبغي أن تكون ’الجبل السحري‘ ملهاة خفيفة تنقب في الجانب الكوميدي من أطباء ديفوس الذين يقنعون الأصحاء بأنهم مرضى، ففور وصول كاستروب إلى المصحة لزيارة قريبه المريض يقول له طبيب فيها إنه يبدو مصاباً بفقر دم حاد، وسرعان ما يصعب عليه الرحيل، ومثلما تمتد إقامة كاستروب في المصحة تمتد فترة كتابة مان للرواية ويتوسع موضوعها ليتجاوز تماماً الإطار الذي كان يريده لها”.
تكتب سوزان بينوفسكي أن يينسن ينظر إلى توماس مان باعتباره ابناً لعصره “فهو في آن موهبة أدبية كبرى، وأيضاً شخص عادي يكافح من أجل تحديد موقعه في فترة شديدة الاضطراب من التاريخ الألماني، ويبين لنا يينسن كيف ترك هذا الكفاح أثره في صفحات رواية مان، ’سيد التناقضات‘ الذي يبدأ بطابع سيري فيركز على أول زيارة لمان إلى ديفوس، يمضي بعد ذلك إلى استعراض أبرز أنشطة الكاتب في الأعوام السابقة والمزامنة لتأليف الرواية، ومن هذه تنافسه الشديد مع أخيه الأكبر هينريش، وهو بدوره كاتب غزير الإنتاج قوي الآراء في شأن مسؤولية الفنان عن التعبير عن رفضه العلل الاجتماعية والسياسية وهذا ما يتعارض بشدة مع آراء أخيه الأصغر المحافظ”.
“ويوضح يينسن التماثل بين خطوط في ’الجبل السحري‘ وشخصياتها من ناحية والقضايا التي كانت تسيطر على حياة مان في ناحية أخرى، فعلى سبيل المثال يربط يينسن ’التعاطف مع الموت‘ المنسوب إلى كاستروب بسطور في رسالة من مان إلى أخيه يقول فيها إنه يحسد هينريش على أن لديه ’موقفاً فكرياً وسياسياً سليماً‘ في حين ليس لديه هو، أي توماس، ’غير تعاطف متزايد مع الموت‘”.
ويناقش يينسن أيضاً “استعمال توماس بشيء من الانتقاص لمصطلح Zivilisationsliterat أو ’الأديب الحضاري‘ بحسب تفسير سوزان بينوفسكي له، أي الكاتب ذو الحساسية الإنسانية الشاملة التقدمية، مع ربط هذه النزعة بشخصية لودوفيكو سيتيمبريني، أحد متفلسفة ’الجبل السحري‘، فهذا ’المعلم‘ على حد وصفه لنفسه، الإيطالي المصدور يطوي الشاب كاستروب تحت جناحه في بداية الرواية، بهدف تعريفه بالتراث الفكري لعصر التنوير، وتدور بينهما حوارات كثيرة هي التي تطلق في الرواية خط البحث الفلسفي كله، ولا يكاد يظهر ليو نافتا، وهو خصم لودوفيكو سيتيمبريني الفكري، في منتصف الرواية حتى تتحول رغبة التعليم هذه إلى منافسة بين معلمين أحدهما إنسانوي عقلاني والآخر ديني رجعي، وكلاهما يريد الظفر بروح التلميذ، وإلا فعقله.
“وعلى مدى الكتاب يمزج يينسن ببراعة بين مناقشاته للرواية وعرضه لسياقها التاريخي، وعلى رغم إصراره على أن الكتاب ’لا يسعى بحال إلى تقديم تحليل شامل للرواية‘ فإنه يغطي أهم نقاطها، في أسلوب بسيط يسهل على غالب القراء”.
تكتب سوزان بيرنوفسكي، وهي أستاذة للكتابة ومديرة برنامجها في كلية الفنون بجامعة كولومبيا، وهي أيضاً المكلفة من دار نشر “دبليو دبليو نورتون” بالعمل على ترجمة جديدة لـ”الجبل السحري”، أنه غالباً ما يقال إن الشخص الذي كتب أول فصول “الجبل السحري” عام 1912 ليس بحال الذي أنهاها عام 1924، “وهذا ما ينشئ لمترجم الرواية مشكلات عدة، فعلى رغم براعة بنائها الفني، وإحكام أفكارها التي تربط بين خيوطها، فهي تحوي أيضاً نبرات وهموماً بل ومواقف متناقضة، من حيث موضع توماس مان أو راويه من ثنائيات عدة: العلمانية في مقابل الدين، وصلاحية الديمقراطية بوصفها نظاماً سياسياً، ودور الرأسمالية أو حتى الثقافة البورجوازية في عصر الحداثة، وهذه التناقضات ليست محض نتيجة لطول الوقت الماضي في تأليف الرواية، ولكن لتوقفات مان الكثيرة خلال أعوام الحرب.
يقدم يينسن وصفاً تفصيلياً لاضطراب أعوام الحرب وتأثيره في المجتمع الألماني، وتأجيجه المشاعر الوطنية، ومشاعر المعاداة لأوروبا أيضاً، ويصف محاولة توماس مان في تلك الفترة بوصفه كاتباً “بورجوازياً” أن ينأى بنفسه عن السياسة إلى أن “اكتشف أن انسحابه ذلك في ذاته موقف سياسي”.
“عجز توماس مان عن التركيز على تأليف روايته خلال أعوام الحرب المضطربة تلك، كذلك فإنه بات يرغب أيضاً في المشاركة بقدر أكبر في الجدالات المعاصرة، بل لعله أراد أن يكفر عن موقفه السابق المحافظ الذي بات يرى نقائصه، فعكف بعد سدس الرواية تقريباً على تأليف عمله الضخم ’تأملات رجل بعيد من السياسة‘، وهو مقال مؤلف من قرابة 600 صفحة، شديد الذاتية، يرصد فيه مان كفاحه للمصالحة بين مشاعره الوطنية وقناعاته برفعة الفن على الواقع الجيوسياسي المحيط به، وما كاد هذا الكتاب يصدر، قبل أيام من إعلان ألمانيا هزيمتها عام 1918، حتى بدا لتوماس مان أنه لا يعدو غزلاً في السلبية، فكتب إلى محرره يناشده إيقاف النشر”.
“يذهب يينسن إلى أن الشكل المقالي لكتاب ’تأملات رجل بعيد من السياسة‘ لم يكن الأنسب لأن يفسر مان نفسه، ’فلم يكن إلا قالب الرواية قادراً على استيعاب استجواب مان الذاتي الحاد، ومراجعاته، وتناقضاته العديدة، ففي غياب عبء الخروج بقول فصل في النقاش، بقيت المناوشات الفكرية في الرواية دونما حل نهائي‘”.
“يوضح كتاب ’سيد التناقضات‘ مدى تغيير أعوام الحرب الفاصلة لبعض معتقدات مان الأساسية، فلما حان الوقت لأن يستأنف العمل على ’الجبل السحري‘، كان “إيمانه بقوة القيم البورجوازية في منح الاستقرار قد اهتز بشدة، مفسحاً المجال لنظرة أكثر تشاؤماً، وفي كثير من المشاريع، قد يكون التغيير الجوهري في قناعات المؤلف الأساسية قاتلاً، لكنه في حال ‘الجبل السحري’ يزيد من فعالية الكتاب وجاذبيته”.
يكتب كريس باور أن يينسن “يتعثر بين الحين والآخر وهو يحاول تصحيح بعض المعلومات، كأن يقول إن ’الزعم المنتشر‘ بأن مان ’كان أباً لا مبالياً أو قاسياً يبدو غير دقيق‘ غير أن كل ما يقدمه دعماً لقوله هذا لا يعدو مقتطفاً من سيرة كلاوس ابن توماس مان الذي كان مأزوماً بشدة في غالب حياته القصيرة، في حين أن الأدلة على العكس كثيرة للغاية”.
“ويعارض يينسن أيضاً قطع رونالد هيمان الصلب في سيرته الصادرة عام 1995 إذ قال إن ’توماس مان كان يكن لزوجته الإعجاب والتقدير لكنه لم يكن يحبها، ويدعم هيمان زعمه هذا بمقتطف من رسالة كتبها توماس إلى أخيه في ذلك الشأن، ولا بأس بالاعتراض على نتيجة هيمان، لكن صيغة اعتراض يينسن (إذ يكتب ’كيف تسنى له أن يعرف؟‘) تبدو غريبة من كاتب منتظم هو نفسه في النوع نفسه من التحليل التأويلي، أما في حال الحكم على مان بالمثلية (فهو ’المثلي في غالب الوقت‘ على حد وصف كولم تويبان) فأمر لا جدال فيه”.
غير أن مآخذ كريس باور هذه تبدو أكثر ثانوية من أن تنال من الكتاب ونجاحه في إعادة تقديم “الجبل السحري” مرة أخرى بعد قرن على صدورها الأول.
ترى سوزان بيرنوفسكي “الجبل السحري” رواية فريدة من نوعها في سياق ما يعرف برواية التنشئة، فهي ليست سرداً لتطور بطل الرواية وتعرفه إلى عالم الفكر فحسب، ولكنها أيضاً مثلما يكشف “سيد التناقضات” سرد لتنشئة كاتبها نفسه.
تختلف سوزان بيرنوفسكي مع يينسن في تقديره للتغير الذي طرأ على كاستروب، إذ يصفه يينسن بأنه “يصقل ملكاته النقدية ويصل في نهاية المطاف إلى نتائجه الخاصة، مبدياً براعة نفسية ووعياً ذاتياً يوضحان مدى تطوره التربوي” بينما ترى هي أن كاستروب “يبقى مفتوناً بأفكار نافتا طويلاً بعد المرحلة التي كان ينبغي أن يفهم فيها مدى خطورة تلك الأفكار، لكن لعل في هذا أيضاً محض انعكاس لآراء المؤلف نفسه، إذ كتب توماس مان في يومياته بعد معاودة كتابة ’الجبل السحري‘ أن ’معلمي كاستروب الاثنين على قدر متساوٍ من الخطأ والصواب‘”.
Up And Down Beirut