
بقلم: ريتا واكيم
في خضم التطورات الدراماتيكية التي تشهدها فنزويلا، جاء تصريح وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند ليؤكد أن أوتاوا لا تعترف «بأي شرعية» لنظام نيكولاس مادورو، في موقف يتجاوز كونه إعلانًا سياسيًا عابرًا، ليشكّل تموضعًا استراتيجيًا محسوبًا في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
التوقيت هنا بالغ الدلالة. فالتصريح الكندي صدر بعد ساعات من إعلان الولايات المتحدة نقل مادورو من كراكاس وبدء ملاحقته قضائيًا في نيويورك، وما تبعه من حديث أميركي عن احتمال إدارة مرحلة انتقالية في فنزويلا. هذا التسارع وضع حلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم كندا، أمام اختبار دقيق: كيف يمكن دعم مسار التغيير دون الانزلاق إلى تبرير التدخل أو تقويض مبدأ السيادة؟
اختارت كندا، كعادتها، المسار الدبلوماسي الأكثر توازنًا. فهي من جهة جدّدت رفضها القاطع لشرعية مادورو، وهو موقف ثابت منذ انتخابات 2019 التي تعتبرها غير ديمقراطية، ومن جهة أخرى شددت على ضرورة احترام القانون الدولي، في رسالة واضحة بأنها لا تمنح تفويضًا مفتوحًا لأي حلول قسرية، حتى لو جاءت من حليفها الاستراتيجي الأميركي.
هذا الخطاب يعكس جوهر السياسة الخارجية الكندية: دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع الحذر من منطق «فرض التغيير من الخارج». فبدل تبنّي لغة السيطرة أو الوصاية، حرصت أناند على التأكيد أن كندا «تقف إلى جانب الشعب الفنزويلي» لا إلى جانب أي مشروع هيمنة أو إدارة انتقالية مفروضة.
سياسيًا، يحمل نزع الشرعية الكامل عن مادورو أبعادًا تتجاوز التصريح نفسه. فهو يفتح الباب أمام الاعتراف مستقبلًا بسلطة انتقالية تحظى بدعم دولي، ويمنح غطاءً قانونيًا لتوسيع العقوبات أو دعم قرارات أممية أكثر صرامة. كما يبعث برسالة واضحة إلى حلفاء مادورو، ولا سيما روسيا وإيران وكوبا، بأن كندا ترى أن عمر هذا النظام السياسي بات محدودًا، حتى لو استمر ميدانيًا لبعض الوقت.
أما الإشارة إلى الاستعداد لتقديم المساعدة القنصلية عبر سفارة كندا في بوغوتا، فهي مؤشر على أن أوتاوا تتوقع سيناريوهات اضطراب أمني وإنساني، وربما موجات نزوح جديدة. وهذا يضع البعد الإنساني في صلب المقاربة الكندية، لا كملحق ثانوي بل كجزء من الاستعداد لمرحلة ما بعد الأزمة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة تصريح أنيتا أناند كاصطفاف آلي خلف الموقف الأميركي، ولا كحياد بارد. بل هو محاولة واعية للحفاظ على توازن دقيق: دعم التغيير الديمقراطي، حماية الشرعية الدولية، والاستعداد لمرحلة انتقالية قد تعيد رسم المشهد السياسي في فنزويلا.
إنه موقف يعكس إدراك كندا أن ما يجري في كاراكاس ليس شأنًا محليًا فحسب، بل اختبار جديد لقدرة النظام الدولي على إدارة التحولات السياسية دون السقوط في فوضى القوة أو شرعنة الأمر الواقع.
Up And Down Beirut