
رواية “محاربو الشتاء” لأوليفييه نوريك تستعيد ملحمة حرب الشتاء بين فنلندا والاتحاد السوفياتي، لتقدم درساً تاريخياً في حدود العدوان الروسي، وتذكيراً راهناً بما يحدث في أوكرانيا، عبر سرد يجمع بين التوثيق والخيال بأسلوب مشوّق وعميق.
لطالما ارتبطت الحروب بالأدب ارتباطاً خالداً منذ إلياذة هوميروس، حيث لم يتم الاحتفاء بـالمرأة الأسطورية هيلين الطروادية لجمالها وحسب، بل لجاذبيتها الآسرة: ذلك الوجه وذلك (الجلال) الذي “ألهم ألف سفينة”. وبالمثل، لم تشتهر أي آلة حربية شرسة بقدر شهرة حصان طروادة.
ومثلها مثل الأدب، تعيد الحروب والمغامرات العسكرية سرد القصة القديمة نفسها. ووفقاً لمقولة تروتسكي الحاذقة الشهيرة، الحرب هي محرك التاريخ. اليوم، بعد أكثر من قرن على الثورة الروسية، لا يزال ذلك المحرك الهائج، وبقيادة موسكو، يهدد أو يدمر بعض أكثر المناطق الأوروبية استراتيجية (وسحراً).
في شرق أوكرانيا، تحولت المدن إلى جحيم يذكرنا بمنطقة فلاندرز البلجيكية التي شهدت معارك ضارية عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى. وفي أقصى الشمال الغربي المتجمد، على طول 190 ميلاً (نحو 300 كلم) من حدود كاريليا الشمالية الفنلندية على الجبهة المكشوفة بين “الناتو” وروسيا، بين غابات الصنوبر والبتولا الفضية الكثيفة، تتدرب القوات الفنلندية حالياً على حرب العصابات تحسباً لهجوم روسي يتوقعه كثر في المستقبل القريب. بالنسبة إلى الفنلنديين المتيقظين، تبدو الاحتمالات مروعة تماماً كما كانت آخر مرة ظهر فيها جنود العدو من قلب عاصفة ثلجية. إذ لا تستطيع فنلندا حشد أكثر من 900 ألف مقاتل من بين سكانها البالغ عددهم 5.6 مليون نسمة.
تُعدّ استعداداتهم إعادة تمثيل واعية لحملة وحشية على طريقة “داوود وجالوت” من عامي 1939-1940، وهي “حرب الشتاء” المنسية التي تقدّم فيها جيش ستالين السوفياتي نحو فنلندا، متوقعاً، مثل بوتين في أوكرانيا، نصراً سريعاً. وبعد ثلاثة أشهر انتهت الحرب، لكن ليس كما كان يأمل ستالين. وهنا يتشابك الأدب مع الصراع مرة أخرى.
تحكي القصة الملحمية والشخصية في آنٍ واحد عن كيف قدمت فنلندا مقاومة يائسة للجيش الأحمر، غالباً في ظروف قاسية وصلت فيها البرودة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، وتظل مثيرة ومليئة بالبطولة بقدر أي معركة أخرى أكثر شهرة من الحرب العالمية الثانية. قبل أن يوقع الاتحاد السوفياتي، الذي حيرته المقاومة الفنلندية وأضعفته في النهاية، معاهدة سلام في مارس (آذار) عام 1940، كان قد فقد أكثر من 130 ألف جندي، بينما نسجت فنلندا أسطورة لا تمحى عن الصمود الوطني في مواجهة الصعوبات الهائلة.
تقدم رواية “محاربو الشتاء” Winter Warriors سرداً مشوقاً وعميق التأثير ويأتي في الوقت المناسب لأحد أكثر الفصول الوطنية إثارة، وهي من تأليف الكاتب الفرنسي الحائز جوائز في أدب الجريمة أوليفييه نوريك. تصور الرواية التوثيقية الأحداث الجحيمية التي دارت على حقول الجليد في بيستامو ووصولاً إلى أقصى الشمال حتى لابلاند. وأجرى نوريك بحثاً ميدانياً شاقاً في ظروف شبه قطبية قاسية، موثقاً تبادلاً هائلاً لحوالى 20 مليون قذيفة خلال حملة استمرت 90 يوماً وصف الوضع خلالها، قائلاً إن “الأرض كادت تنفطر”.
ويضيف “كانت صفوف الدبابات في مواجهة البنادق القديمة. مليون جندي من الجيش الأحمر ضد عمال وفلاحين. لكن التاريخ يعلّمنا أن مواجهة رجل واحد يدافع عن أرضه ووطنه وشعبه، ممسكاً ببندقيته، حارساً خلف باب مزرعته المحصنة، تتطلب خمسة جنود… رجل واحد قادر على تغيير مجرى التاريخ”.
هذا العمل الروائي التاريخي، الذي يحيي أهوالاً منسية وبطولات حقيقية لجنود ومعارك فعلية من الحرب الفنلندية-السوفياتية، يروي قصة القناص الأسطوري سيمو هايها، الذي أكسبته مهارته المذهلة لقب “الموت الأبيض”. وبطبيعة الحال، يتناغم هذا السرد مع حالة الجمود الوحشية التي تعيشها روسيا في المقاطعات الشرقية لأوكرانيا.
يمزج الكتاب بين تقارير مشوقة وحوارات واقعية ومتخيلة، ليقدّم عملاً ينتمي إلى نوع جديد من الرواية حيث تُخضع حقيقة الأحداث لعبقرية نوريك في رسم ملامح شخصية قاتل خجول بالفطرة. وسيجد دارسو الأدب المعاصر معالجة مشابهة للمزج بين الخبر والخيال والأرشيف في رواية بن ماكنتاير الأخيرة “الحصار” The Siege.
نوريك، الذي لا يزال مجهولاً نسبياً لدى القراء البريطانيين، هو ظاهرة أدبية في فرنسا، فائز بجائزة “رينودو” الأدبية، وقد انتقل إلى الرواية البوليسية بعد 18 عاماً في سلك الشرطة. في “محاربو الشتاء”، لا يكتفي بالتصوير المروع لما يمكن تسميته “إباحية الحرب” – جنود يتحولون إلى ضباب وردي، رائحة الموت تتصاعد من الدبابات المعطلة، احتراق أطقم الدبابات داخل كرات نارية مروعة – بل يتعمّق أيضاً في نفسية بطله المتواضع، القناص الذي يستلهم قوته من مفهوم “سيسو”، الكلمة التي لا يمكن ترجمتها، والتي تجسد روح فنلندا.
تكمن جاذبية هذه الرواية الفذة في شدتها وعبقريتها ووحشيتها، لكنها ترتكز أيضاً على تصوير مؤثر جداً لشخص صار وطنياً بالصدفة، يكتشف أن سبيله لإنقاذ بلاده يكمن في إتقان فن الانتقام بالقنص: “كانت أول عملية قتل في اليوم مؤلمة دائماً. الثانية تخدر أي شعور لديه بالشفقة، وعند الثالثة، يصبح مجرد آلة …”
قد تكون الحرب الفنلندية-السوفياتية قد طواها النسيان في الغرب، لكن ليس في فنلندا. وللقرّاء الأوروبيين الذين يساورهم القلق من حالة الجمود في أوكرانيا، تقدّم هذه القصة درساً تاريخياً في حدود العدوان الروسي.
تنتهي الرواية بتأمل ساخر: إذ إن إذلال الجيش الأحمر “جذب انتباه أدولف هتلر كما يجذب الحيوان الجريح الكائن المفترس”. كان الزعيم النازي يخطط لمهاجمة الاتحاد السوفياتي بعد أن يرسخ قبضته على الغرب. لكن بعدما شاهد تفكك القوات الروسية أمام الهجوم المضاد الفنلندي، غيّر خططه ليطلق عملية “بارباروسا”، أكبر غزو في التاريخ العسكري، الذي انتهى بكارثة في ستالينغراد. من يدري ما الذي ندين به لأبطال فنلندا في حرب الشتاء؟
صدرت رواية “محاربو الشتاء” لأوليفييه نوريك عن دار أوبن بوردرز برس، وتباع النسخة الواحدة بسعر 18.99 جنيه استرليني.
© The Independent
Up And Down Beirut