
أعاد توقيف طبيب نسائي متورّط مع عصابة منظّمة تعمل على بيع ونقل أطفال حديثي الولادة عبر تزوير وثائق الولادة وبيانات القيد، ملفّ الاتجار بالبشر إلى الواجهة بقوّة، في قضية تهزّ الرأي العام وتعكس حجم الانهيارات الأخلاقية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان. هذا التطوّر الأمني أعاد تسليط الضوء على واحدة من أخطر الجرائم التي تُرتكب في الظل، والتي شكّلت في السنوات الأخيرة محوراً لعدد من الأعمال الدرامية اللبنانية التي حاولت الاقتراب من الواقع وكشف المستور.
الدراما، التي لطالما كانت مرآة للمجتمع، لعبت دوراً مهمّاً في إبراز هذه الممارسات، لا سيّما في الموسم الرمضاني الفائت. فقد تطرّق مسلسل “بالدم” للكاتبة ندين جابر إلى مسألة الاتجار بالأطفال من خلال حبكة درامية مبنية على وقائع حقيقية، كما تناول مسلسل “ع أمل” قضايا تعنيف المرأة، مسلّطاً الضوء على العنف المبطّن الذي يعيشه المجتمع. ومع التطورات الأخيرة، يبدو واضحاً أنّ الدراما لم تكن خيالاً، بل قراءة مبكرة لواقع يتفاقم.
وفي اتصال خاص مع “لبنان الكبير”، علّقت الكاتبة ندين جابر على القضية قائلة: “كان كثيرون يقولون إنّ مثل هذه الوقائع لا يمكن أن تحدث، بينما كنّا نعلم أنّها تحصل فعلاً. ما جرى يؤكّد أنّ هذه الممارسات كانت وما زالت موجودة، ومن الجيد أنّ هذه العصابة أُوقِفَت”، وأضافت: “خلال بحثي لمسلسل “بالدم”، اكتشفت وجود أكثر من عشرة آلاف حالة موثّقة للاتجار بالأطفال، وهذا الرقم يشمل فقط الحالات المعلنة، فيما هناك أعداد أخرى غير موثّقة. وهناك جمعيات كجمعية “بدائل” تتابع حالات لأطفال تمّ بيعهم من لبنان إلى الخارج وعادوا لاحقاً بحثاً عن جذورهم”.
ووجّهت جابر رسالة عبر “لبنان الكبير” شددت فيها على أهمية الاستمرار في مكافحة هذا النوع من الجرائم: “الاتجار بالبشر واقع قائم، ويزداد في البلدان التي تعاني أزمات اقتصادية أو حروباً مثل بلدنا. من الإيجابي أن تتحرك الدولة وتوقف هذه العصابة، ونأمل أن تُفتح الملفات كافة وأن يُلاحَق كل من يشارك في هذه الأعمال”.
اللافت أنّ هذه القضية لا تأتي في فراغ، بل في وقت تتنامى فيه الشهادات والملفات التي تكشف شبكات منظّمة تستغلّ هشاشة العائلات وفقرها، في ظلّ انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق. كما تعود إلى الواجهة تساؤلات حول دور التشريعات، وآليات الرقابة في المستشفيات، والفراغات القانونية التي تسمح بمرور مثل هذه الجرائم لسنوات طويلة بعيداً من المحاسبة.
وتختم جابر حديثها بالإشارة إلى غيابها عن السباق الرمضاني لعام 2026، موضحة: “لن أشارك هذا العام في موسم رمضان، على أن أطلّ بعده في عمل اجتماعي جديد”.
بهذا، يتكرّس مرة جديدة دور الدراما اللبنانية في مواجهة الواقع، لا للهروب منه. فالقضية التي كشفتها “أمن الدولة” ليست سوى دليلاً إضافياً على أنّ الجرائم التي تُحاك في العتمة تحتاج إلى ضوء الفن والإعلام والقانون معاً، كي لا يبقى الأطفال ضحايا مدى الحياة.
Up And Down Beirut