’’غمّض عين فتّح عين‘‘ أوجزت بكثافة إيلام الزمان وغدره

بعد مونتريال، تقدم المسرحية نهاية هذا الأسبوع في تورونتو وغاتينو المتاخمة للعاصمة أوتاوا. العرض الأول للمسرحية أطلق في لبنان قبل خمس سنوات مع إجمالي عدد حضور ناهز اليوم الـ 10 آلاف مشاهد. يلعب دور البطولة فيها سينتيا كرم وفؤاد يمين، أما الكتابة والإخراج فمن توقيع كريم شبلي وساره عبده.

 

يقول الدكتور كميل نصار الرئيس المشارك لشركة الإنتاج الفني Canev التي تنظم العروض في كندا: ’’إن غايتنا الترويج للمسرح اللبناني وصنّاعه، وتحفيز استمراريته في الوطن والانتشار‘‘. هذا وصرّح الدكتور نصّار بسابقة في كندا وهي إطلاق مهرجان للمسرح آجلا، لكثرة الإقبال على العروض المسرحية الذي ’’نشهده في مسيرة Canev الفتية‘‘ يقول المتحدث.

سينتيا كرم وفؤاد يمين في مسرحية ’’غمض عين فتح عين‘‘ في مونتريال.

ملامح شيخوخة قاسية وموجعة تستدعي مشاعر متضاربة عند المتلقي ليغصّ وتمتلئ مقلتاه بالدموع طورا ويضحك ويقهقه من شدة الهزل والسخرية أطوارا…تعرّج المسرحية على عدة أزمنة حيث تتكثف في نهاية العمر مشاعر متناقضة بين حب وكره ورضوخ وتمرد واستسلام ومقاومة… ولكن السقوط يبقى حتميا ومدوّيا.

 

أحببنا أن نكون صلة الوصل بين لبنان المقيم ولبنان الانتشار بداية. تجربتنا الأولى كانت مع مسرحية ’’معمول‘‘ قبل بضعة شهور، علما ان استقدام الأعمال المسرحية إلى كندا يشكل سابقة ويعد تحديا. المفاجئة أن المسرحية استقطبت 1700 شخص في عرضين متتاليين في يوم واحد. وها نحن اليوم نشهد أيضا إقبالا على العروض وهذا يدّل على تعطش المغترب إلى المسرح.

نقلا عن كميل نصّار، الرئيس المشارك لـ Canev

 

تضطلع Canev بتقديم جزء من ريع حفلاتها في كندا للصليب الأحمر اللبناني، والكشافة اللبناني ومركز أبحاث سرطانية في لبنان، وعلى صعيد كندا، قدمت المؤسسة أموالا لدعم الفنانين الشباب.

كوليت ضرغام منصف تحاور كميل نصّار.

دكتور كميل نصّار: ’’نسعى لإبراز هويتنا الثقافية في الانتشار والمحافظة على الصلة مع البلد الأم داعمين الفنون وصناعها‘‘.

الأداء كان كثيفا متوافقا مع المعالجة الدرامية

في ’’غمّض عين فتّح عين‘‘ يتكثّف الزمن والذاكرة، وتتعاقب المشاهد بإيقاع سريع جدا، كل ذلك بسجية وسلاسة من دون أي إقحام للأفكار. كلمح البصر تتعاقب أحداث عمر بكامله: يتزوج برهوم وعيّود وينجبان بعد خمس سنوات بكرهما الوحيد نوح الذي يهاجر إلى كندا قاطعا كل الجسور. في أحداث المسرحية تقوم أيضا الحرب الأهلية في لبنان ويقع انفجار مرفأ بيروت ويشيخ الزوجان ويفارق برهوم الحياة…ولا يبقى غير الذكرى ومناجاة شخص العذراء في يوميات الأرملة العجوز. قبل إسدال الستارة على مشهد إطفاء شمعة النذور أمام شخص العذراء، تغلّف موسيقى حزينة فضاء المسرح مع خطوات عيّود المثقلة بالجراح والحزن والوحدة ولوعة الفقدان، هذا لأن لكل بداية نهاية.

 

تمرّ كل الأحداث بومضة عين من دون إطناب أو إسهاب، بل بعمق وغوص في المشاعر الإنسانية، حيث توقظ المسرحية مشاعر الحنين والاشتياق والنوستالجيا في نفس المشاهد الكندي اللبناني.

سينتيا كرم وفؤاد يمين على المسرح.

بمهارة وبراعة وحرفية عالية، جسد نجما الدراما اللبنانية سينتيا كرم وفؤاد يمين مرحلة الشباب كما مرحلة الشيخوخة بشكل مقنع تماما ومن دون أي التباس. استغل الممثلان الشكل ونبرة الصوت والحركة على المسرح لجعل المشاهد يصدق الحقبة التي روتها المسرحية وهي من ستينيات القرن الماضي إلى انفجار مرفأ بيروت عام 2020.

من الكوميديا إلى الميلودراما: ضدان منسجمان

تغمز المسرحية من قناة المجتمع الكندي وينتقد العجوزان المساكنة والانجاب من دون عقد زواج. هناك غمز أيضا من قسوة الغربة ’’إذ عودة نوح إلى كنف الوطن مشروطة بميراث يتركه له والداه‘‘[…] إلى ما هنالك من نقد مبطن للموروثات الشعبية مثل الإيمان بالحسد وصيبة العين والغيرة القاتلة بين النساء وغيرها من المظاهر التي تسود في المجتمع اللبناني. أما الإطار الخارجي فهو السياسة والأخبار التي يتابعها العجوز برهوم بنهم على غرار كل رجال لبنان، هناك أيضا الهم المعيشي والاقتصادي وتراجع صرف الليرة اللبنانية وشبح الحرب واستمرار عدم الاستقرار عبر شريط كل الأزمنة التي تناولتها المسرحية. تسلط المسرحية أيضا الضوء على تعلّق اللبنانيين بالدين وعبادة السيدة العذراء، حيث أعطيت مساحة كبيرة لشخص العذراء على المسرح ورنمت سينتيا كرم بصوت خشوعي جميل بثوب النذور الأزرق.

 

في البداية وفي النهاية مشهد واحد يتكرر ولكن باختلاف المشاعر من أقصى الهزل والضحك إلى أقصى الحزن والميلودراما، كانا اثنين في البداية ولكن الموت فرقهما في النهاية.

 

في فضاء المسرح شخصان منظوران وعشرات الأشخاص غير المنظورين مثل جوجو ونبيل ونورما والجيران ونوح والأصدقاء والأهل وغيرهم، إذ أكملت هذه الشخصيات التي يتحدث إليها البطلان كادر المعالجة الدرامية وأسهمت في جعل الحضور ينتمي بدوره إلى تلك الشخصيات ويتفاعل معها.

 

أما عن تقنية الإخراج لشبلي وعبده فهي مبتكرة جدا خصوصا لجهة تزاوج المسرح مع التقنية والمونتاج السينمائي، كأننا أمام بلاي باك الشاشة الذهبية. وقد تم رسم سينوغرافيا المسرح عبر ديكور متحرك فعال جداً أضفى دينامية على العرض، وكأنه سينمائي وليس مسرحي فحسب.

كوليت ضرغام تحاور الممثل فؤاد يمين.

فؤاد يمين: ’’جمهور مونتريال جميل جدا، لم أكن أتوقع تفاعله الذي زادنا زخما‘‘.

شحنة عاطفية

برأيي إن شدة تفاعل جمهور مونتريال يعود إلى أن غالبية أبناء الجالية اللبنانية هاجروا في الحقبات التي تناولتها المسرحية وقد ردتهم المعالجة الدرامية إليها مشحونين بكمٍ هائل من العاطفة والنوستالجيا.

نقلا عن فؤاد يمين، ممثل لبناني

 

يضيف فؤاد يمين: ’’عالجت المسرحية الطبيعة الإنسانية وقصة الحب بين برهوم وعيّود اللذين عاشا في أوضاع سيئة في كل الأزمنة التي مرّت عليهما في لبنان‘‘ ، ويبرّر المتحدث بأن الإقبال على الأعمال المسرحية اللبنانية في كندا سببه أن هذا المسرح يأتي حاملا معه شحنة من الذكريات عبر اللهجة والموضوعات.

 

’’يظهر المغترب توقا إلى العودة إلى الجذور وقيم وأصول بلده الأم، التقيت أشخاصا ينتقدون التربية في المجتمع الكندي خصوصا التربية الجنسية في شكل يتعارض مع معتقداتهم وبيئتهم الأولى. مسرحياتنا تشعر المغترب بالراحة والأمان‘‘، خلص المسرحي اللبناني إلى القول.

طوليت ضرغام تحاور سينتيا كرم.

سينتيا كرم: ’’عرضنا في دبي وبيروت ولكن في كندا التفاعل مختلف، المغترب الكندي ينتظرك مثلما ينتظر الأب ابنه، يشتم رائحة بلده الأم فيك، هو أجمل جمهور في نظري بلهفته وتعاطيه معنا‘‘.

سينتيا كرم تدين للمسرح ولكن للتلفزيون الفضل في انتشار شهرتها

كانت تأتي ردات فعل سينتيا كرم على مواقف وأحاديث فؤاد يمين على خشبة المسرح عفوية، وكأنها على غرار الحضور تسمعها لأول مرة فتضحك بشكل لا إرادي ليساهم هذا الانسجام الكبير بينهما في إنجاح العرض وجعله حقيقيا.

 

هو أكثر عمل أظهر الانسجام بيني وبين فؤاد يمين وهذا ما يضفي صدقا على الأداء، نتفاعل على المسرح ونرتجل أحيانا نكتا وقفشات جديدة. كم جميل أن تتعاملي مع شخص مشحون بهذا الكم من الفهم والدراما والحب والعطاء والشاعرية.

نقلا عن سينتيا كرم، ممثلة لبنانية

 

تتابع الممثلة اللبنانية المخضرمة: ’’إن العمق الدرامي الذي يحترم الجمهور هو الذي يُفعّل آلية الإقبال على الأعمال المسرحية، ولي إيمان بأن المغترب اللبناني يملك حسا وذائقة فنية عالية‘‘.

صورة جمعت صناع مسرحية ’’غمّض عيّن فتّح‘‘ مع الجمهور الذي غصّت به في صالة أندريه ماتيو في لافال يوم الأحد 26 تشرين الأول /أكتوبر. وفي الصورة من اليسار لليمين: فؤاد يمين، ساره عبده، كريم شبلي، سينتيا كرم وكميل نصّار.

صورة جمعت صناع مسرحية ’’غمّض عيّن فتّح‘‘ مع الجمهور الذي غصّت به في صالة أندريه ماتيو في لافال يوم الأحد 26 تشرين الأول /أكتوبر. وفي الصورة من اليسار لليمين: فؤاد يمين، ساره عبده، كريم شبلي، سينتيا كرم وكميل نصّار.

توضح كرم سبب انتشار شهرتها بعد مشاركتها في أعمال تلفزيونية خصوصا في دور عدلى في المسلسل الرمضاني الأخير ’’بالدم‘‘ تقول: ’’عملت كل حياتي في المسرح وأحب خشبة المسرح أكثر من التلفزيون ولكن لأنني أعيش في بلد صغير فإن عدد جمهور المسرح قليل جدا بالمقارنة مع جمهور الشاشة الفضية الذي يوصل أعمالنا الدرامية عبر الفضائيات والمنصات الإلكترونية إلى الانتشار اللبناني والعربي في أقطاب الأرض‘‘.

 

في إطار آخر، تؤكد كرم على أنها مهما وصلت بخبرتها المسرحية فهي تنصاع لإدارة المخرج موضحة الفارق العمري الكبير بينها وبين المخرجين الشابين كريم شبلي وساره عبده. تقول: ’’ الممثل لا يستطيع أن يدير نفسه وهناك دوما عين المخرج الثاقبة، أتناقش معه نعم ولكن أترك له إدارة التمثيل والأداء‘‘.

شاهد أيضاً

حمزة نمرة يغني “نص عايش” لمسلسل “النص التاني”

يشارك النجم حمزة نمرة في غناء تترات مسلسلات رمضان 2026 بمسلسل “النص التاني”. قدم حمزة …