
كيف يمكن لمشروع الهجرة أن يكون ناجحا دون قطع الروابط مع الجذور؟
هذا هو السؤال الذي حاولت منصة كندا-الجزائر (Canadalgérie) الإجابة عنه من خلال تنظيم لقاء يوم أمس في مونتريال مع المتحدث التحفيزي رشيد أمقران.
وجمع اللقاء حمل عنوان ’’الجرأة على النجاح بين ضفتين‘‘ (Oser réussir entre deux rives)، نحو مئة شخص من ذوي الأصول المهاجرة في كندا.
وفي حديث مع راديو كندا الدولي، أوضح صالح بن رقية، مؤسس منصة كندا-الجزائر، أن موضوع اللقاء ’’انبثق بشكل طبيعي، كونه يمسّ شريحة واسعة من المهاجرين‘‘.
وقال إن ’’الهدف الرئيسي من هذه المبادرة هو جمع هؤلاء الأفراد، الذين شقّ كلٌّ منهم طريقه الخاص نحو النجاح، لتوفير مساحة مناسبة لهم لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات المتعلقة بتجاربهم.‘‘
ولم يكن اختيار المتحدث التحفيزي عشوائيا، فقد برر المنظمون هذا القرار بالإشارة إلى خبرته الواسعة.
[رشيد أمقران] هو أيضا مهاجر، فقد أمضى حياته المهنية بأكملها في مدينة نيويورك، حيث أسس شركةً في هذا المجال.
وأضاف أنه ’’بفضل محاضراته التي ألقاها حول العالم في السنوات الأخيرة، اكتسب شهرةً واسعة، ما جعله قدوة ملهم‘‘.
صالح بن رقية، مؤسس منصة كندا-الجزائر (Canadalgerie).
وفي كلمته خاطب رشيد أمقران، وهو خبيرٌ في التنمية البشرية، أبناء الجالية المهاجرة تحديدا، مُشجعا إياهم على ’’تجاوز حدودهم وتحدي مُسلماتهم‘‘.
ويكمن جوهر رسالته في فكرة أن نجاح المهاجر لا يعتمد على الظروف الخارجية أو الجغرافية، بل على طريقة تفكيره.
سواءً في كندا أو إنجلترا، فالنجاح رهن بك وحدك. لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل على نظرتك للأمور.
يستنكر بشدة عقلية الاستسلام التي يتبناها بعض الوافدين الجدد الذين يقولون لأنفسهم: ’’أنا في كندا، الأمر صعب للغاية […] أنا لست كنديا، لذا لا يمكنني النجاح‘‘.
ويرى المتحدث أن الرضا بالحد الأدنى أو قبول وظيفة متدنية الأجر بدافع اليأس خطأ فادح.
’’مفتاح النجاح يكمن في الثقة بالنفس، والخيال، والقدرة على استبدال الأفكار السلبية بالإيجابية فورا. كل تغيير خارجي يبدأ من الداخل‘‘، كما قال الرجل الذي ألف عدة كتب في التنمية البشرية وآخرها ’’برنوس أبي‘‘ (Le burnous de mon père) الذي وقّع على نسخ منه في نهاية اللقاء.
المتحدث التحفيزي رشيد أمقران وهو يوقّع كتابه ’’برتوس أبي‘‘ (Le burnous de mon père).
ولتوضيح وجهة نظره، يستند رشيد أمقران بشكل واسع إلى تجاربه الشخصية. فبالإشارة إلى طفولته الصعبة في جبال القبائل والأهوال التي عانتها عائلته خلال الحرب الجزائرية، يوضح أن المعاناة الماضية ينبغي أن تصقل الشخصية لا أن تكون ذريعة للفشل.
وبدلاً من تشجيع المهاجرين على نسيان ماضيهم من أجل الاندماج، يحثهم على استمداد قوتهم من هذه الهوية : ’’لا ننسى جذورنا […] ولهذا نحن أقوياء‘‘.
وأوضح أنه عند وصول المهاجرين إلى كندا، يدخلون مجتمعاً له قيمه الخاصة، وأن من واجبهم إظهار الاحترام والتكيف مع البلد المضيف.
ولكنه يؤكد على ضرورة إيجاد التوازن، وتجنب ’’التنازل عن الذات من خلال التمسك بالمبادئ مع الانفتاح على الفرص.‘‘
كما أشار إلى ’’أن الكنديين يتوقون بشدة لرؤية المهاجرين ينجحون، لأن تقدمهم يساهم في تقدم المجتمع ككل‘‘.
يزا بلعيشة، عضوة في مجلس مدينة لونغوي.
عرابة اللقاء
اختار منظمو الفعالية ليزا بلعيشة، وهي عضوة شابة في مجلس مدينة لونغوي، لتكون عرابة اللقاء.
وخلال كلمتها في الفعالية، شاركت ليزا بلعيشة رحلتها منذ وصولها إلى كيبيك من الجزائر في سن الثالثة برفقة والديها.
وأوضحت أن رحلاتها المتكررة بين بلديها الأصليين جعلتها تدرك مبكرا تأثير السياسة على جودة حياة المواطنين.
وقد أشعل هذا الإدراك فيها رغبةً قويةً في المشاركة المجتمعية لتحسين حياة الناس في المجتمع.
وبدأ هذا الالتزام في سن الرابعة عشرة، وتُوِّج بانتخابها عضوةً في مجلس المدينة عام 2021 بأكثر من 50٪ من الأصوات، وإعادة انتخابها عام 2025 بأكثر من 80٪.
ومن خلال قصتها، تُوجِّه هذه الشابة المنتخبة رسالة فحواها :’’لا تُقللوا من شأن قدراتكم، ولا تخجلوا من شغفكم، والأهم من ذلك كله، أن تصنعوا فرصكم بأنفسكم‘‘.
لا تُقللوا من شأن قدراتكم، ولا مما يمكنكم أن تصبحوا عليه، ولا مما يمكنكم فعله، والأهم من ذلك كله، لا تخجلوا أو تحرجوا من أنفسكم أو مما تريدون فعله.نقلا عن ليزا بلعيشة
أداراللقاء أمقران معريش، المستشار والمتخصص في بناء العلامات التجارية.
أهمية التحفيز
في حديث مع راديو كندا الدولي، أوضح أمقران معريش، المستشار والمتخصص في بناء العلامات التجارية، سبب موافقته على إدارة هذا اللقاء.
وقال إنه يؤمن بأن المهاجرين ليسوا مجرد بيانات للاقتصاد الكندي، بل هم أفراد لهم تاريخهم وثقافتهم وهويتهم الخاصة.
وبموافقته على تقديم الدكتور رشيد أمقران ، يسعى لتحقيق رسالة عزيزة على قلبه، كما قال، وهي ’’ مساعدة هؤلاء الأفراد على النجاح والازدهار على بين ضفتين، والاندماج في المجتمع الكندي دون أن يفقدوا هويتهم أو جوهرهم‘‘
عند سؤاله عن جدوى الاستعانة بمتحدث تحفيزي بدلاً من مؤسسات الاندماج التقليدية، يُقدّم أمقران معريش وجهة نظره.
عمل منظمات الهجرة مهم، لكن شراء منزل، وفهم القوانين واحترامها، والاندماج في المجتمع، بما في ذلك الاندماج الاقتصادي، لا يكفي.
وفي هذا السياق، لا يقتصر دور المُحفّز على تقديم تشجيع سطحي، كما أضاف.
’’الأمر يتعلق أكثر بمساعدة هؤلاء الأفراد على إيجاد التناغم الحقيقي بين رسالتهم الوجودية في الحياة، وعلاقاتهم الشخصية، ورغبتهم في مساعدة الآخرين‘‘.
Up And Down Beirut