
يحتفل العالم في كلّ 18 ديسمبر/كانون الثاني، اليوم، باليوم العالمي للغة العربية (نافذة جديدة).
وللحفاظ عليها بين أفراد الجالية العربية في كندا، يقوم بعضهم بتدريسها لأبنائه في صفوف تابعة لمنظمات مجتمعية ، ففي هاليفاكس في مقاطعة نوفاسكوشا، أنشأت الجالية اللبنانية مدرسةً لنقل اللغة والثقافة إلى الأجيال الشابة ، وتقول مديرة مدرسة التراث اللبناني (Lebanese Heritage Language School)، ريتا باسيل، في مقابلة مع راديو كندا الدولي، إنّ فكرة تأسيس المدرسة تعود إلى عام 1958.
حينها اقترح رئيس جمعية لبنان الكندية في هاليفاكس (Canadian Lebanon Society of Halifax) جورج عرب إنشاءها. وبدأت في العمل عام 1960 ، وتتمثل رسالتها في ’’ربط الأطفال والشباب في الانتشار اللبناني بتراثهم وثقافتهم وتقاليدهم ولغتهم” وتعتمد فلسفة التدريس في المدرسة على التمييز البراغماتي بين الجانب الكتابي والشفهي للتواصل.
فبينما يتعلم الطلاب قراءة وكتابة اللغة العربية الفصحى (الحروف والقواعد الأساسية)، ينصب التركيز على اللهجة اللبنانية، اللغة الأم المستخدمة في المنزل، كما توضح السيدة باسيل ، والهدف من ذلك هو تمكين الأطفال من التواصل مع عائلاتهم والتعبير عن أنفسهم بشكل طبيعي.
يتعلم الأطفال اللغة العربية الفصحى، لكن التحدث في الصف يكون باللهجة اللبنانية.

ريتا باسيل (الأولى من اليسار) خلال أحد نشاطات مدرسة التراث اللبناني في هاليفاكس.
ويهدف هذا النهج إلى تجنب أن يجد الأطفال أنفسهم ينطقون بلغة جامدة أو قديمة لن يصادفوها في حياتهم الاجتماعية ، وتُولي مديرة المدرسة أهمية بالغة للتواصل، فهي ترغب في أن يتمكن الأطفال من طلب ما يحتاجونه والتفاعل فيما بينهم باللغة العربية ، وتعيش ريتا باسيل في كندا منذ ما يقارب الثلاثين عاماً. وقبل هجرتها من لبنان، اكتسبت خبرة واسعة في مجال التعليم واللغة العربية.
وقادتها هذه الخبرة بطبيعة الحال إلى الانخراط في تدريس اللغة العربية في هاليفاكس بعد حوالي عامين من وصولها إلى كندا، كمُدرّسة متطوعة لعدة سنوات في مدرسة التراث اللبناني ، وتقول إنها بعد فترة انقطاع، تواصلت معها لينا دياب، رئيسة جمعية لبنان الكندية في هاليفاكس آنذاك ووزيرة الهجرة الحالية في الحكومة الكندية، للانضمام إلى لجنة إعادة هيكلة المدرسة.
وقبل حوالي سبع سنوات، مُنحت صلاحيات كاملة لإدارة المدرسة، ما منحها حرية إدارة المؤسسة.
كتاب ’’لبناني‘‘
ومن أبرز إسهامات ريتا باسيل في المدرسة هو التحديث الشامل للمواد التعليمية ، وتقتل إنها لاحظت أن الكتب المدرسية المستوردة من لبنان مثل سلسلة ’’قراءتي‘‘ غير مناسبة للأطفال الذين ينشؤون في كندا: فالمحتوى صعب للغاية، والقواعد معقدة جداً على المبتدئين، والسياق الثقافي غير ذي صلة بحياتهم اليومية.

كتاب ’’لبناني‘‘( My Lebanon) الذي تستعمله مدرسة التراث اللبناني لتدريس اللغة العربية.
وعلاوة على ذلك، كانت تكلفة استيراد هذه الكتب باهظة ، وأمام هذا الوضع، بادرت السيدة ريتا باسيل بإنشاء سلسلة كتب مدرسية خاصة بها بعنوان ’’لبناني‘‘ (My Lebanon) ، وصممت سلسلة من الكتب تشمل ستة مستويات، وكتبت النصوص والأسئلة بنفسها لضمان ملاءمتها لمستوى الطلاب الفعلي.
وأبرز ما يميز هذه الكتب المدرسية تضمينها تعليمات باللغة الإنكليزية لإدراكها بأن العديد من الآباء لا يتقنون اللغة العربية بما يكفي لمساعدة أبنائهم؛ لذا فإن إضافة اللغة الإنكليزية تتيح للعائلات المشاركة بشكل أكبر في عملية التعلم في المنزل.
الاعتراف الأكاديمي
وتقول ريتا باسيل إن المدرسة حققت إنجازا مؤسسيا هاما بحصولها على الاعتماد الرسمي لمقرّرها ما يسمح للطلاب المسجلين في هذا البرنامج بالحصول على وحدات دراسية ، وهذه الوحدات معترف بها رسميا ويمكن استخدامها لتعزيز سجلهم الأكاديمي في المرحلة الثانوية أو حتى الجامعية، بدلًا من بعض المقررات الاختيارية.
ويعزز هذا الاعتراف قيمة تعلم اللغة الأم، ويوفر حافزا إضافيا للآباء والطلاب للاستمرار في البرنامج حتى سن المراهقة ، وأشارت السيدة باسيل إلى أنّ المدرسة لا تقتصر على تعليم اللغة فحسب، بل تعمل أيضا كمركز للنقل الثقافي حيث يتمّ تنظيم العديد من الأنشطة المتعلقة بالأعياد والمناسبات الدينية اللبنانية ، فعلى سبيل المثال، في عيد الاستقلال اللبناني، يرتدي الأطفال زي الجنود، ويتعرفون على تاريخ البلاد، ويشاركون في مسيرات داخل المدرسة.
وفي عيد القديسة بربارة، تُحضّر أطباق تقليدية مثل القمحية والقطايف مصحوبة بالرقصات والأزياء التقليدية.
تحتفل المدرسة بجميع المناسبات، بما في ذلك عيد الميلاد ورمضان، وتستضيف أحيانا متحدثين لشرح التقاليد للأطفال.
ويلعب المسرح دورًا محوريا في جعل التعلّم ممتعًا وجذابًا، مما يساعد الأطفال على حفظ المفردات من خلال لعب الأدوار، كما أضافت ، وتفتح المدرسة أبوابها أيام الجمعة، وتستقبل الأطفال من سن الرابعة، موزعين على ستة فصول ، وعلى الرغم من أن ريتا باسيل مديرة حضانة أطفال في حياتها المهنية ، إلا أن عملها في مدرسة اللغات يُعدّ مشروعا نابعا من شغفها باللغة العربية، كما تقول.
ويتلقى المعلمون راتبا رمزيا مما يؤكد على الطابع التطوعي لالتزامهم ، ويعتمد تمويل المدرسة على رسوم دراسية تبلغ 250 دولارا سنويا، بالإضافة إلى دعم من جمعية لبنان الكندية في هاليفاكس، التي تُساهم في تمويل العديد من الأنشطة وشراء المعدات.
وتقول ريتا باسيل إنّ المدرسة تسعى جاهدة لتكون شاملة. فعلى الرغم من أن المبادرة متجذرة في المجتمع اللبناني، إلا أن المدرسة ترحب بالأطفال من خلفيات متنوعة وأديان مختلفة ، ’’مما يوحد المجتمع حول اللغة والثقافة العربية‘‘.
Up And Down Beirut