
يواجه لبنان فصلاً جديدًا من أزماته المتتالية، وهذه المرة من بوابة الطبيعة، إذ يشهد الموسم الشتوي الحالي انحباسًا غير مسبوق للأمطار وتراجعًا ملحوظًا في كمية المتساقطات. فحتى الآن، لم يشهد لبنان “نقطة شتاء” واحدة، ما يهدّد البلاد بأزمة جفاف حقيقية، خصوصًا في المناطق الزراعية التي تعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار لريّ محاصيلها.
المزارعون يتحدثون عن مواسم مهدَّدة بالخسارة، وخبراء المناخ يحذّرون من تداعيات المنظومة الجوية الحالية التي قد تؤدي إلى اضطرابات في دورة المياه الطبيعية. ومع تفاقم التغيّرات المناخية وغياب الخطط الوطنية لمواجهتها، تتزايد المخاوف من انعكاس هذا الواقع على الأمن المائي والغذائي، وعلى القطاع الزراعي تحديدًا، ما ينذر بتداعيات خطيرة على المحاصيل الزراعية ومعيشة آلاف العائلات التي تعتمد على الأرض كمصدرٍ أساسي للبقاء، خصوصًا أنّ الموسم في الجنوب تأثّر بشكل كبير جرّاء الحرب، ليأتي غضب الطبيعة ويزيد الطين بلّة.
يقول رئيس مصلحة الأرصاد الجوية محمد كنج عبر “لبنان الكبير”: “لبنان مقبل على منخفض جوي يحمل معه الأمطار ابتداءً من يوم الخميس 13 تشرين الثاني، ليستمر حتى 16 منه. وتتراوح كمية الأمطار بين 50 و60 ملم كحدّ أقصى. فحتى اليوم بلغت كمية المتساقطات في بيروت 8 ملم فقط، مقابل 70 ملم في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما المعدّل العام يبلغ نحو 97 ملم.”
ويؤكد كنج أن كمية الأمطار المسجّلة حتى الآن لا تتعدّى 10 إلى 20 في المئة من المعدل السنوي، مشيرًا إلى أن الأمطار ستبدأ شمالًا اعتبارًا من اليوم، على أن تكون للجنوب “حصّة وافية” بدءًا من يوم الجمعة. ويضيف: “الموسم الماضي كان شحيحًا، والموسم الحالي يبدو أكثر جفافًا، إلا أنّ النسبة قد تتعوض في الأشهر المقبلة إذا استمرّ المنحى التصاعدي في المتساقطات.”
ويقول رئيس مصلحة الزراعة في الجنوب محمد الحسيني عبر موقع “لبنان الكبير”: “انخفاض كميات المياه هذا العام، وخصوصًا في نهر الليطاني، تسبّب بخسارة في الموسم الزراعي تُقدّر بين 20 و30%. فقد أصبحت أوزان الموز أقل من معدلاتها الطبيعية، كما تأثرت الحمضيات بشكل كبير، تليها الأفوكا. صحيح أنّ الحرب أثّرت على الموسم، لكن في حال توفرت المياه يمكن أن تعود الأمور إلى طبيعتها. أمّا بالنسبة للموسم الحالي، فيمكن القول إننا تكبّدنا خسائر كبيرة على مستوى مختلف الزراعات بسبب شحّ المياه، ولهذا السبب ارتفعت أسعار الخضار لأن المزارعين قلّلوا من مساحات زراعاتهم.”
ويشير الحسيني إلى أنّ هناك تواصلًا دائمًا مع مصلحة الليطاني التي تعمل جاهدة لترشيد توزيع المياه، لكنها تصطدم بنقص حاد في المصادر. “المصلحة تحضّر برامج للريّ بحيث يتم توزيع المياه شهريًا بحسب الكميات المتوافرة، إلا أنّ مشكلة نقص الموارد المائية زادت من حجم الخسائر.”
ويتابع: “يبدأ الشتاء في 21 كانون الأول، لكن تاريخيًا كان المطر يهطل من أيلول حتى نيسان. عامًا بعد عام، تراجعت فترة تساقط الأمطار، ما هدّد الموسم الزراعي. والحلّ لا يكون بكثرة المتساقطات في فترة قصيرة، لأن الأمطار حين تهطل بهذه الوتيرة تنجرف بسرعة نحو البحر بدل أن تتغلغل في الأرض، ما يحرم الخزانات الجوفية من التغذية الطبيعية. لذلك، على الدولة أن تبني السدود للاستفادة من المياه بدل الاعتماد على المياه الجوفية التي هي ملك للأجيال القادمة. نحن بحاجة إلى موسم أمطار طويل، بكميات موزعة بشكل متوازن.”
ويؤكد الحسيني أن الجفاف أدّى إلى زيادة الأمراض الزراعية التي تؤثر على الصحة العامة والمزارع في آنٍ واحد، ما اضطر المزارعين إلى زيادة استخدام المبيدات الحشرية، إذ باتوا يرشّونها ثلاث أو أربع مرات بدل مرتين، ما رفع الكلفة. ويضيف: “الحمضيات والموز تأثرا بشكل كبير، وكذلك الزراعات التي تعتمد على الريّ مثل الزيتون والتفاح، إذ جاء حجم الأخير هذا العام أصغر من المعتاد، وتراجعت إنتاجية هذه الأنواع من الثمار بسبب قلّة الأمطار والحرارة المرتفعة التي لامست 38 درجة مئوية لفترة طويلة.”
ويعتبر أن ندرة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة لا يؤثران فقط على الموسم الحالي، بل تمتد انعكاساتهما إلى المواسم المقبلة، لأن التربة والخزانات الجوفية تحتاج وقتًا طويلاً لتعويض النقص في الرطوبة والمياه. “يمكن أن نعوّض الخسائر إذا كان موسم الشتاء طويلاً وبكميات متوازنة.”
مرّ صيفٌ طويل على لبنان، وعلى الجنوب تحديدًا الذي خسر بدوره مواسم زراعية جمّة بسبب الحرب وشحّ المياه وارتفاع درجات الحرارة. ومع اقتراب فصل الشتاء والمنخفض الجوي المنتظر، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستعود المياه إلى مجاريها وتكون المنخفضات الجوية حاملة معها كميات مناسبة من الأمطار لإنقاذ المواسم الزراعية، أم أنّ الصيف سيبقى ضيفًا ثقيلًا وطويل الإقامة؟
Up And Down Beirut