
خطر الاحتباس الحراري يحدق بأوروبا ويعرض سكانها إلى عواقب وخيمة تهدد صحتهم يل وحياتهم أحيانا. فبالإضافة إلى الحرارة الشديدة والعواصف الكارثية، يعاني سكان القارة من آثار غير مباشرة كالأمراض المعدية مثل حمى الضنك وشيكونغونيا، وفيروس غرب النيل، تنقلها حشرات اضطرت لتغيير أماكنها الطبيعية بالمناطق الاستوائية والهجرة نحو الشمال.
على غير عادتها، ارتفعت درجات الحرارة في أوروبا إلى مستويات قياسية. وفي بادرة “استثنائية” وضعت السلطات الفرنسية عدة مدن في حالة تأهب قصوى الثلاثاء، وسجلت إسبانيا ارتفاعا حادا في درجات الحرارة إذ بلغت 46 درجة مئوية الإثنين، بينما أُجبرت حرائق غابات في تركيا، أكثر من 50 ألف شخص على إجلاء خمس مناطق في مقاطعة إزمير الغربية جراء موجة حر.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، لم تعد موجات الحر الشديد مفاجأة. إذ يتفق العلماء على أن التغير المناخي الناجم عن الارتفاع المتواصل في انبعاث الغازات الدفيئة هو العامل الرئيسي الذي يُجبر العالم على التكيّف معه، ومع ما ينجم عنه من موجات حرّ خانقة أو فيضانات أو جفاف أو برد قارس وغيرها من الظواهر المناخية الكارثية الأخرى.
وإذا كانت هذه العواقب السبب في تدهور حياة الإنسان اليومية، هناك خطر آخر له علاقة غير مباشرة بالاحتباس الحراري يتمثل في انتشار البكتيريا والفيروسات المسببة للأمراض في عالم تزداد فيه الحرارة والرطوبة.
لقد أصبحت ظاهرة الاحتباس الحراري تجلب أمراضا استوائية، متأثرة بالمناخ، إلى القارة الأوروبية، ما أحدث تغييرا كبيرا في جغرافية الأمراض المعدية العالمية.
أمراض تنقلها الحشرات والمياه
وتذكر الدكتورة ألكسندرا كازمييرزاك، الخبيرة في العلاقة بين تغير المناخ وصحة الإنسان في الوكالة الأوروبية للبيئة (EEA)، قائلة: “لقد تفاقمت أكثر من نصف الأمراض المعدية التي تواجه البشرية في جميع أنحاء العالم، واشتدت خطورة، بسبب عواقب المناخ”.
ووفق هذه الخبيرة، فإن الظروف المناخية جعلت أوروبا أكثر عرضة للأمراض التي تحملها النواقل والمياه، وتقول: “نشهد انتقالا نحو الشمال لأن المناخ الحالي يناسب أكثر مسببات الأمراض. وموسم الأمراض أطول: فالقراد، على سبيل المثال، ينشط الآن على مدار العام في العديد من الأماكن”.
وتُعدّ حمى الضنك من الأمراض المعدية الأسرع تناميا في أوروبا. فقد تم الإبلاغ عن حوالي 304 حالة في أوروبا في العام 2024 وحده، مقارنة بـ 275 حالة سُجلت في مجمل السنوات الخمس عشرة السابقة.
والمسبب الرئيس لحمى الضنك هو بعوضة النمر (Aedes albopictus)، وهي إحدى ناقلات المرض، أي كائن حي قادر على نقل مسببات المرض المعدية بين البشر أو من الحيوانات إلى البشر. هذه البعوضة التي تميزها خطوط سوداء وبيضاء قادرة على نقل ثلاثة أمراض وهي: حمى الضنك وزيكا وشيكونغونيا.
وإلى غاية أواخر تسعينيات القرن الماضي، لم تشهد أوروبا سوى عدد قليل من الأمراض التي ينقلها بعوض النمر سنويا. وكانت معظمها حالات معزولة أبلغ عنها مسافرون من جنوب شرق آسيا، موطن البعوضة ، وأدت كثافة النقل الجوي والعولمة، إلى سهولة تنقل الحشرة نحو الغرب وبأعداد كبيرة، سواء على متن سفن الشحن المتجهة إلى ألبانيا أو نحو المناطق الأكثر دفئا في فرنسا، لتطال أوروبا بأكملها، حيث وجدت مستقرا لها.
وفي العام 2006، كانت حمى الضنك قد صُنفت رسميا على أنها “مرض يجب الإبلاغ عنه”. وبحلول العام 2022، تم رصده في معظم المناطق الفرنسية. فقد تأقلمت الحشرة بسرعة مع البيئات الحضرية، حيث لا تحتاج سوى إلى برك مياه راكدة للتكاثر والانتشار ، منذ ذلك الحين وبشكل كبير، ما فتئت أعداد بعوض النمر في النمو، لدرجة أن العلماء يعتقدون الآن أن الأمراض التي تنقلها البعوضة ستصبح متوطّنة في أوروبا. حتى أن بعض الباحثين يرون أن عدد أوبئة حمى الضنك وشيكونغونيا قد يزداد بخمسة أضعاف بحلول العام 2060.
وقد ساهمت الظروف المناخية في التوسع الجغرافي للعديد من النواقل الأخرى، كالقراد وأنواع مختلفة من البعوض والذباب، التي تحمل أمراضا محددة، كحمى غرب النيل، وداء لايم، والتهاب الدماغ المنقول بالقراد ، ولكن، مصدر القلق لا يقتصر على الحشرات فقط.
من المخاطر الأخرى الناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، انتشار الأمراض المنقولة بالمياه. وقد عانت أوروبا في السنوات الأخيرة من عواقب وخيمة جراء سقوط الأمطار لفترات طويلة والفيضانات التي دمرت أنظمة علاج وتوزيع المياه ، من جهة أخرى، يمكن للمياه أن تكون محل تراكم العديد من مسببات الأمراض الناجمة عن مكبات النفايات والحقول والمراعي، ما يتسبب بتلوث أنظمتها.
وفي هذا السياق، تحذر ألكسندرا كازمييرزاك من مسببات الأمراض التي ينقلها البحر، وتقول لفرانس24: “مع ذوبان جليد القطب الشمالي، تنخفض ملوحة مياه البحر، ما يجعلها ملائمة لنمو مسببات الأمراض مثل بكتيريا الضمة. ويمكن ملاحظة هذه البكتيريا بشكل أكبر في بحر البلطيق وبحر الشمال. وتنتقل هذه البكتيريا عن طريق المأكولات البحرية، أو حتى بملامسة جرح مفتوح في حال السباحة بمياه ملوثة”.
اكتشاف “فيروسات الزومبي”
يغطي الجليد الدائم أو ما يعرف بطبقة “بيرمافروست” (الغنية بالمواد العضوية) نحو 15% من نصف القطب الشمالي، بما في ذلك نسبة كبيرة في سيبيريا وألاسكا وغرينلاند. وهي طبقة مكونة من تربة وصخور تبقى متجمدة لمدة عامين متتاليين على الأقل. وكأنها مخزن تبريد للمعرفة والتاريخ: فقد حُفظت فيه حيوانات ونباتات انقرضت منذ زمن طويل على غرار الماموث والنمور ذات الأنياب الحادة، وبقيت شبه سليمة.
وبعض الكائنات التي لا تزال عالقة في أوراق شجر وبقايا متجمدة، ليست ميتة، بل في مجرد سبات عميق. والأمر ينطبق على العديد من “فيروسات الزومبي” التي تم اكتشافها في طبقة الجليد الدائم، الذي بدأ في الذوبان مع مرور الوقت، وبعضها يعود لآلاف السنين.
ويخشى الباحثون من ظهور حالة طوارئ طبية عالمية جديدة. والأمر لا يتعلق هذه المرة بمرض يجهله العلم، بل بمرض قديم تعجز المناعة البشرية الحديثة على علاجه. وقد يؤدي ذوبان الجليد الدائم أيضا إلى إطلاق مواد مشعة قديمة ومواد كيميائية محظورة تم التخلص منها كنفايات.
وفي العام 2016 حدث ذلك بالفعل، عندما اكتُشفت أكثر من 2000 رنة في سيبيريا. كانت قد نفقت بسبب وباء الجمرة الخبيثة قبل عقود. وأدى ذوبان الجليد الدائم وجيفة رنة مصابة إلى إطلاق الفيروس الذي كانت تحمله، ما استوجب دخول عشرات الأشخاص الذين يقطنون المنطقة إلى المستشفى.
وعلى الرغم من أن الأمر يبدو وكأنه من وحل رواية خيال علمي، إلا أن هذا التهديد الجديد قد ينجم أيضا عن ظاهرة الاحتباس الحراري. لكن، تطمئن ألكسندرا كازمييرزاك قائلة إن الأبحاث لا تزال في بداياتها، والتربة الصقيعية موجودة في مناطق نائية وقليلة السكان.
التأقلم “بشكل واع”
وإلى حد كبير، لا يمكن إيقاف التغيرات في جغرافية الأمراض المعدية. لقد ارتفعت درجات الحرارة في أوروبا بأكثر من درجتين مئويتين في العقد الماضي وحده، دون أن تظهر أي بوادر تباطؤ.
لكن، وعلى الرغم من الاحتباس الحراري، تأمل ألكسندرا كازمييرزاك في تأقلم أوروبا مع الوضع. وتقول: “ستكون البنية التحتية الصحية الوطنية والتوعية أمران أساسيان لتأقلُمِنا… لدينا بالفعل أمثلة لدول سبق وأن واجهت هذه الأمراض، ويمكننا تطبيق هذه الأمثلة على أوروبا.
قد يكون إدماج مكونات الطبيعة في المدن والمنازل وسيلة لتقليل البصمة الكربونية، وفق الخبيرة. لكن في هذه الحالة، سيصبح انتشار نواقل الأمراض ثمن ذلك. لهذا، “علينا أن نسهر على ضمان تأقلمنا بشكل واع.”
Up And Down Beirut